العبث والتكرار ووضع الشيء في غير موضعه ، ولا يجوز ذلك لقوله :
« وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ . »
ولقوله :
« أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً ؟ »
الآية . فلم يبق ( المثل ) الّا من بعض الوجوه . ومن هذا ليس هناك موجود الا له مثل من بعض الوجوه . وأيضا ، لو كان ( المثل ) من جميع الوجوه ، لكان يلزم أن يعرف زيد كلّ ما يعرفه عمرو ، وبالعكس ، وليس الامر كذلك ، لانّ الذّوات والحقائق مختلفة ، والعلوم والمعارف متفاوتة .
( 173 ) وهاهنا نكتة لا يعرفها الا الخواصّ ، وهي أنه ( يوجد ) فرق بين المثل والمثال . فالمثال يوجد من كلّ الوجوه ، ولكن المثل من جميع الوجوه ما يوجد أصلا ، كما سبق بيانه وامتناعه بالذات وبالغير . - ونكتة أخرى أعظم منها : وهي أن اتيان مثله كما يمتنع على الغير من المخلوقات لعدم القدرة عليه بالذات وعدم استعداده الذاتي ، يمتنع ( أيضا ) على الخالق - سبحانه وتعالى - بحكم امتناع الغير الذي هو علمه وحكمته ، لا من حيث القدرة المطلقة الذاتية ، فانّه على كل شيء قدير . - وهذا أيضا نصيب للخواصّ .
وباللّه التوفيق ! ( 174 ) وعلى الجملة ثبت بهذه الوجوه المتنوعة والأدلة المختلفة أن مثل نبينا - صم - من جميع الوجوه غير ممكن ، وأن مثل كتابه النازل عليه الذي هو القرآن كذلك ، لانّه من مقامه ومرتبته . ومن هذا قلنا : لو أنزل اللّه تعالى هذا الكتاب على غيره مثلا ، لكان من وضع الشيء في غير موضعه ، لانّه لم يكن مستحقّا له ، لقلّة استعداده وعدم القابلية ، بل عدم الإمكان .
ومن هذا وقع ( النبي محمّد ) عديم المثل والنظير ، ووجب على اللّه تعالى انزاله ( أي القرآن ) عليه لا على غيره ، بحكم المناسبة ورعاية العدل القويم والوضع المستقيم .
( 175 ) وان قلت : إذا لم يمكن أن يكون لشيء من الأشياء مثل من جميع الوجوه ، فأىّ شرف وفضيلة للَّه تعالى على غيره ولنبيه ولكتابه ؟