( 161 ) وذلك ، لانّ الإتيان بمثل القرآن يحتاج إلى الاتصاف بمقام محمّد ورتبته وعلومه وأخلاقه وجميع فضائله من جميع الوجوه ، وهذا محال ، لما ثبت عقلا ونقلا وكشفا بأنّه لا يمكن الاتصاف بمقامه ومرتبته وعلومه وأخلاقه على ما هي عليه الا في بعض الصور ، لانّه أقدم المعلومات الإلهية الكلية الذاتية ، وأعظمها وأكملها حقيقة وماهية ، وأشرف الموجودات الممكنة وأعلاها مقاما ومرتبة ، بل هو علّة الكلّ ، ومادّة الجميع ، والمقصود بالذات من المجموع ، كما سبق ذكره غير مرة ، ولقوله فيه : « لولاك لما خلقت الأفلاك » . وإذا لم يمكن الاتصاف بصفاته والتخلق بأخلاقه والقيام بمقاماته ومراتبه ، لم يمكن الإتيان بمثل كتابه ولا بمثل بعض كتابه أيضا لقوله تعالى :
لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
ولقوله :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ .
الآية .
( 162 ) ومعلوم أن امّته أعظم الأمم وأشرفها ، وأن زمانه أعظم الأزمنة وأكملها ، ومعلوم أنه قد تحدي العرب في زمانه به وما تمكنوا من الإتيان بمثله ولا بمثل بعضه ، وإلى الآن كذلك ، لأنه ( أعنى القرآن ) واقع على سبيل المعجزة إلى يوم القيامة مع جميع الناس ، خصوصا ( مع ) اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من أهل الملل والأديان .
( 163 ) وان قلت : يمكن هذا من حيث الإمكان والفرض ، - قلنا : هذا غير ممكن ولا مفروض ، لأنه من قبيل الممتنع بالغير ، والفرض المحال لا ينتج الا المحال ، لانّه يؤدى إلى كذب الحق تعالى تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . ثم ( هذا الفرض يؤدى أيضا ) إلى كذب النبي - صلّى اللّه عليه وآله - ثم إلى كذب العقل الصحيح والكشف الصريح ، ثم إلى التكرار والعبث في الوجود وجميع ذلك مستحيل ممتنع ، لا سيما العبث والتكرار ، لأنه قد تقرر وتحقق عند اللّه تعالى وخاصته أنه ليس في الوجود عبث ولا تكرار ، كما قالوا في حقه - جل ذكره : « انه لا يتجلى في صورة مرتين ولا يتجلى في صورة