البحث الثالث في فضيلة الكتابين : النازل عليه الذي هو القرآن والصادر عنه الذي هو الفصوص
المتعلقين بفضيلته التي هي المقصودة بالذات من مجموع هذه الكلمات ( 159 ) اعلم أنّ هذا النبي الذي سبقت فضيلته وشرفه من أول القاعدة إلى هذا المكان ، بل من أول الكتاب إلى هذا المقام ، ( حيث ) جعله اللّه تعالى مظهر ذاته الجامعة للكمالات كلها ، وجعله مبدأ الوجود ومنتهاه ومنبع النبوة ومعدن الرسالة وخاتمها ومصدر الدائرة الوجودية ومتممها ، وجعله أشرف الموجودات العلوية والسفلية ، وأعظم أنواعها وأشخاصها ، وجعله عديم المثل والنظير من بينها صورة ومعنى ، - وجب في حكمته تعالى البالغة ، وقوانينه الكلية بحكم علمه السابق به وبحقيقته الجامعة الكلية ، أن يكون الكتاب النازل عليه من عنده كذلك : أعنى عديم المثل والنظير من بين الكتب الإلهية والصحف السماوية .
( 160 ) والحال أنه ( أي القرآن ) كذلك ( أعنى عديم المثل والنظير ) .
لانّه لو لم يكن كذلك ، لم يكن يقول الحق تعالى في حقه :
« قُلْ : لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً »
، لانّ هذا دليل على أنه عديم المثل والنظير في الكتب المنزلة السماوية المتقدمة السابقة ، بل في الكتب الغير المنزلة اللاحقة به من حيث الإمكان ، على تقدير التسليم به وأن لم يمكن ذلك ، كما أن صاحبه كذلك : أي هو الذي لا يمكن مثله في الموجودات المتقدمة السابقة ، والموجودات المتأخرة اللاحقة ، لانّ هذا غير ممكن ، لانّه شخص انحصر نوعه في شخصه ، واستحال مثله في الممكنات أزلا وأبدا .
فيكون كتابه حينئذ كذلك .