الفاعل المطلق العالم العادل ، لا يجوز له التصرّف في القابل الا على ما هو عليه ذلك القابل ، والا يلزم منه وضع الشيء في غير موضعه الذي هو الظلم ؛ والفاعل الحقيقي منزّه عن أن يتّصف بذلك ؛ فلا يتصرّف فيه الا على ما هو عليه في نفسه ؛ ويطلب منه الوجود بلسان الحال حال عدمه ( كما يطلب منه بلسان القال كمال الوجود حال وجوده العيني ) . ولهذا صحّ قوله تعالى :
وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ
و
« قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ »
وغير ذلك من الأقوال الدالّة عليه .
( 134 ) وان قلت : يلزم من قولكم هذا أنّ العبد يكون مجبورا في فعله ، وليس الحال كذلك ، - قلنا : ما يلزم هذا أصلا بوجوه : منها أنّ العلم غير مؤثر في المعلوم أوّلا ؛ ثم انّه - أي العلم - تابع للمعلوم ، أعنى لا يعلمه الا على ما هو عليه في نفس الامر ؛ ولا يلزم من هذا مجبورية ( العبد ) ؛ ومنها أنّ مجبورية العبد ان كان يتعلّق العلم ( الإلهي ) به - بوقوع الفعل ( منه ) أو عدم وقوعه - فليس يلزم من هذا الجبر ، لانّه يجوز أن يكون العلم متعلّقا بوقوع الفعل منه وعدم الوقوع على سبيل الاختيار دون الجبر ، لاقتضاء استعداده وقابليته . وبناء على هذا يلزم منه أن يكون اللّه تعالى أيضا مجبورا في فعله ، لانّه كان عالما بما يقع منه وبما لا يقع أزلا ، وهذا محال . فمحال أن يلزم من علمه تعالى بالعبد مجبورية العبد في الفعل . وهذه الأبحاث أدقّ من أن يدخل فيها مثل هذه الاعتراضات . والكلّ راجع إلى الفهم الصحيح .
( 130 ) والحاصل انّ القوابل الممكنة والأشياء المعدومة الطالبة للوجود غير مجعولة للحق تعالى ، وانّ القدرة لا تتعلّق بها ، وكذلك بالواجب والممتنع . وادراك هذه المسائل العميقة ، التي هي أعظم مسائل القدر ، المنهىّ عن افشائها شرعا ، ليس شأن كلّ أحد من العقلاء ، فضلا عن غيرهم ؛ بل هي مخصوصة بخواصّ أولياء اللّه تعالى وخاصّته ، المعبّر