تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقدمات من كتاب نص النصوص — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
« وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ »
، لانّ أوّل رحمة اللّه تعالى لعباده ( كانت ) الوجود وتوابعه . وما حصل لموجود وجود الا به ( اى بمحمّد من حيث هو العقل الاوّل والروح الكلّى ) وبواسطته . فلولاه ما كان لشيء وجود أصلا ، لانّ العلّة الأولية والواسطة الكلية لم تكن الا هو ، كالنواة بالنسبة إلى الشجرة مثلا ، وكالبذر ( بالنسبة ) إلى النبات ، وغير ذلك . ( 111 ) ولذلك كما كان - عليه السلام - أوّلا ( من حيث حقيقته ) بالنسبة إلى شجرة الوجود ، كان آخرا بالنسبة إليها ، فان الإنسان آخر الموجودات ، كالثمرة بالنسبة إلى الشجرة . ولهذا قال - عليه السلام : « أنا أوّل الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا » . وقال : « نحن الأوّلون الآخرون » . ويعرف سرّ شجرة الوجود ، وظهور أغصانها في صورة العالم ، من قوله تعالى
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
الآية ، فان فيها - أي هذه الآية الكريمة أسرارا وحقائق ، لا سيّما بالنسبة إلى شجرة الوجود وتحقيقها ، والإنسان الكبير الظاهر بصورتها . وبحث هذا مضى ( في غير هذا الكتاب ) . ( 112 ) فنرجع ونقول : لولا أنّه - صلى اللّه عليه وآله - في هذه المرتبة والجلالة من التعظيم والتبجيل ، لما قال تعالى في حقّه :
« وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ »
، لانّ العظيم الأعظم لا يقول لاحد انّه « عظيم » الا ويكون ذلك الشخص في غاية العظمة عنده . فانّه سبحانه العالم بالكلّ ماهية وحقيقة وصورة ومعنى . وهو عالم باستعدادهم وقابليتهم أزلا وأبدا . فلو كان هناك أعظم منه - عليه السلام - بوجه من الوجوه لم يكن يقول له هذا الكلام ، ولم يكن يصفه بهذه الصفة . ( 113 ) وتأكيد ذلك أيضا قوله تعالى فيه - صلى اللّه عليه وآله :
« وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً »
، لانّ هذا إشارة إلى العلوم التي وهبها اللّه له أزلا لقوله - عليه السلام : « علمت علوم الاوّلين والآخرين » ، وقوله : « علّمنى ربّى وأدّبنى ربّى ، فأحسن تعليمي