الذاتية والقرابة المعنوية . ومن ذلك قول بعض العارفين لبعض مريديهم ، وعبارته هي هذه : « ألا لا يلعبنّ بك اختلاف العبارات ، ولا يغلبنّك تنوع الإشارات ! فانّه إذا بعثر ما في القبور وحصّل ما في الصدور ، وحضر البشر في عرصة اللّه تعالى يوم القيامة لعل من كلّ [ 7 ب ] ألف تسع مائة وتسعا وتسعين ينبعثون من أجداثهم ، وهم قتلي بسيوف العبارات ، ذبائح بسهوم الإشارات ، وعليهم دماؤها وجراحها ؛ غفلوا عن المعاني فضيعوا المباني » .
( 88 ) والغرض أنّ فهم كلام هؤلاء القوم في غاية الصعوبة ، خصوصا إذا كان من معدن النبوة ومنبع الرسالة ومشرب الولاية . فيجب على الطالب تحصيل شرائط الفهم أولًا ، ثمّ الشروع فيه كما بيناه مرارا . وإذا فهم الطالب وعرف وأدرك وتحقّق ، يجب عليه وجوبا لازما اخفاؤه عن الأغيار ، وإظهاره عند الاسرار ، لئلا يتصف بالظلم والسفه ، لقولهم :
فمن منح الجهّال علما أضاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظلم
( 89 ) وليس الخوف في ذلك كلّه من العوامّ المتقلّدين والجهّال التابعين بل من العلماء الرسميين والمشايخ الصوريين ، الذين ليس لهم من العلم الا الاسم ، ولا من المشيخة الا الرسم . ومع ذلك ، فإنكار مثل هؤلاء العلماء والمشايخ على أهل اللّه وأقوالهم وأفعالهم وكتبهم وتصانيفهم ، حسدا وعداوة وجهلا وغباوة - خصوصا على هذا الكتاب وصاحبه - ليس بعجيب ، ولا شيء ما جرى قبل هذا ، لانّ العالم لم يزل ولا يزال كذلك ، كما قال تعالى :
« وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ »
. . . ،
« وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ »
؛ وقال :
« وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ »
.
( 90 ) وهذا في الحقيقة من تقابل الأسماء الجلالية والجمالية ومظاهرهما ومجاليهما ، كما هو مقرّر عند أهل اللّه تعالى ، وستعرف تحقيق هذه المسألة ، وأنّ إزالة هذا التقابل وارتفاع هذا التضادّ غير ممكن . وهذا يرجع إلى الذات المقدسة القابلة ذلك كلّه ، بحكم التنزّل والظهور في