معناها . فلا يمكن إحاطة المتناهي بها أصلا ، لأنّ إحاطة المتناهي بغير المتناهي غير ممكن . وفيه قيل :
يفنى الكلام ولا يحيط بوصفه * أيحيط ما يفنى بما لا ينفد ؟
فحينئذ لا يكون تصرّف كلّ أحد فيه ، من الكمّل والأقطاب ، الا بقدر استعداده وقابليته وفهمه وإدراكه ، كما قيل في القرآن وكلماته المعلومة ، لأنّ الإشارات الإلهية والكلمات النبوية ، وان كانت في تراكيب عربية وألفاظ لغوية ، لكن لها أغوار وأسرار ، وأعماق وتدقيقات ، ورموز وكنايات لا يمكن الاطلاع عليها الا بعناية اللّه تعالى وهدايته ، كشفا وشهودا وذوقا ووجدانا ، أو بعناية بعض عباده من الكمّل وهدايته ، لقوله تعالى :
« فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » *
، ولقوله أيضا :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ »
.
( 86 ) وعند التحقيق كلّ فساد حصل في الدين والاعتقاد ، وكلّ طعن ظهر في حقّ العارفين والمحقّقين ، لم يكن الا من عدم الفهم في كلمات اللّه وكلمات أنبيائه وأوليائه ، وسوء التصرّف فيها وفي معانيها وحقائقها . وذلك من كمال بعدهم عن مقامهم ( أي بعد عامة أصحاب الدين عن مقام الأنبياء والأولياء ) وطردهم عن منزلتهم ، لقوله تعالى :
« وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا »
، ولقوله :
« وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ، حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً »
الآية .
( 87 ) ومن هنا كان دائما أولياء اللّه وخلفاؤه يتبادرون في الوصيّة لمريديهم وأصحابهم وإخوانهم وتابعيهم ويبالغون فيها ، حتى لا يتصرفون في كلامهم وكلام أمثالهم بغير الشروط التي قررناها ، من الاستعداد الجبلّى والمناسبة