بعد اكتحالها بالأنوار القدسية ، ونطقت به نفوسنا بعد استضاءتها بالآثار الجبروتية . فعرفنا بالتحقيق أن لك استعداد هذا الامر الجليل ، وجزمنا باليقين التامّ أن لك استحقاق هذا الشغل الخطير ، وأنّك من الذين قال اللّه تعالى فيهم :
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ *
، وقال :
« ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ »
. وانّك من الذين أشار إليهم الشيخ ( الحاتمي ) في « الفصّ الشيثى » بقوله : « وما أحد يعرف هذا - وانّ الامر على ذلك - الا آحاد من أهل اللّه وخاصّته . فإذا رأيت من يعرف هذا ، فاعتمد عليه . فذلك هو عين صفاء خلاصة خاصّة الخاصّة من عموم أهل اللّه » .
وأشار ( الشيخ ) فيه ( اى في الفصّ الشيثى ) أيضا بقوله : وإذا ذقت هذا ، فقد ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق . فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى أعلى من هذا الدرج ، فما هو ثمّ أصلا ، وما بعده الا العدم المحض » .
( 43 ) والصورة الثانية ، بما رأينا من تصانيفك وتواليفك المذكورة ، الشاهدة على كمالاتك وفضائلك وعرفانك وحقائقك ، لا سيما « التأويل للقرآن الكريم » الذي ليس له مثيل في نوعه ، ولا نظير في شخصه ، وما اتفق لاحد مثله لا من المتقدمين ولا من المتأخرين . فإنه ( أي التأويل للقرآن الكريم ، السالف الذكر ) يشهد بأنّ هذا الكتاب ( نعنى فصوص الحكم ) المنسوب إلى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - لا يشرحه حق الشرح الا الذي يكون ( شأنه ) في كتاب اللّه تعالى وكلامه بهذه المثابة . والمناسبة بين الكلامين ( أي بين القرآن والفصوص ) معلومة بمقتضى قوله :
« وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى »
، وبموجب إشارته : « كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله » .
( 44 ) فحيث كان الحال على هذا المنوال ، ولم يكن امكان منعهم عن هذا السؤال ، قبلت التماسهم والتزمت باستدعائهم ، مطاوعة للَّه تعالى في قوله :