فإذا علم هذا فاعلم أن المقصود الأعظم من اتباع السنة ليس هو إعطاء النفس مناها في اتباع هواها ، من الحظوظ والرخص والزينة في اللباس وغيره ، فقد ترك الأولياء ذلك وهم الذين بلغوا الدرجة العليا في اتباع السنة حقا ، بالمقاصد الجميلة ، ورفض الدنيا ، وعلو الهمة ، والإقبال على الله سبحانه وتعالى ، والإعراض عما سواه ، وامتثال الأوامر واجتناب النواهي ، والخروج من خلاف العلماء وحسن الأدب ، والرضا بالقضاء ، ومراقبة المولى في الحركات والسكنات ، واللحظات والكلمات ، والإرادات والخطرات ، وأنواع الرياضات والمجاهدات . وعلى الجملة اتبعوا « 1 » السنة بالتحلى بكل وصف محمود ، والتخلي عن كل ( وصف ) « 2 » مذموم .
وقد قيل للسيد الشهير وللولي الكبير ، الذي لم يخلف « 3 » بعده مثله بشهادة الخضر عليه السلام ( وقد ) « 4 » قال له الحق سبحانه بعد موته فيما روى عنه من رآه من السادات في المنام : لقد قبضتك يوم قبضتك وليس على وجه الأرض أحب إلى منك : بشر بن الحارث [ * ] رضى الله ( تعالى ) « 5 » عنه ، قيل له في حياته : الناس يتكلمون فيك ، فقال ماذا يقولون ؟ قيل يقولون هو تارك للسنة « 6 » ، يعنون ترك النكاح فقال : قولوا لهم أنا مشغول بالفرض عن السنة .
قلت « 7 » : والدليل على اتباعه للسنة مع ذلك ما اشتهر عنه ورواه خلائق من الأولياء والعلماء بالأسانيد الصحيحة المشهورة « 8 » في التصانيف الكثيرة الجليلة « 9 » ، كرسالة الإمام أبى القاسم القشيري [ * ] رضى الله تعالى عنه وغيرها ، أنه قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، فقال ( لي ) « 10 » يا بشر [ * ] ، أتدري لما رفعك الله تعالى من بين أقرانك ؟ قلت لا يا
هامش
( 1 ) في ( ب ) ( اتباع ) .
( 2 ) لفظة ( وصف ) زيادة من ( ك ) .
( 3 ) في ( ب ) ( يخلفه ) .
( 4 ) ( وقد ) زيادة من ( ب ) .
[ * ] انظر ص 228 .
( 5 ) لفظة ( تعالى ) زيادة من ( ط ، ب ) .
( 6 ) في ك ( الصلاة ) .
( 7 ) قلت مطومسة في ( ب ) .
( 8 ) في ( ط ، ب ، ك ) الشهيرة .
( 9 ) في ( ب ك ، الأصل ) ( الجلية الكثيرة ) .
[ * ] انظر ص 18 .
( 10 ) لفظة لي زيادة من ( ك ) .