فضلا عما سبقوهم إليه وحظوا به من علو الدرجات وصنوف اللذات ، والنعيم المقيم الهانى في دار القرار ، وها أنا أنبه على التفاوت بين العيشين بقطرة من بحر لا يعرف له قعر ، أعنى عيش المتمزقين المذكورين ، وعيش المتنعمين المغرورين .
فأما « 1 » القسم الأول ، وهو عيش المتمزقين ، فأذكر لك منه شيئين : أحدهما يتعلق بالطاعات ، والثاني يتعلق « 2 » بالخرابات . فأما المتعلق بالطاعات فأنا أعرف بعض الناس شرع في صلاة العصر في أول وقتها في بعض البراري ، ثم أذن المؤذن لصلاة المغرب وهو بعد في صلاة العصر ، لما وجد من حلاوة الطاعة ولذة المناجاة .
وأما المتعلق بالخرابات فلقد كان ذلك الشخص يجلس في أيام البدايات على مزبلة الأوقات تحت قصر لبعض أهل الولايات ، ويجد من اللذة والحلاوة ما لا تطيقه « 3 » العبارات ، وذلك لنظره إلى الدنيا بعين الاحتقار ، وإلى تقلبها [ بعين الاعتبار ، وإلى منة الله تعالى عليه بإخراجه من قلبه ما عليه بنوا الدنيا ] « 4 » من الاغترار ، فكلما نظر ما هم عليه من نعيم الدنيا وزينتها وقصورها ومراكبها « 5 » ، وجاهها وغرورها ولهوها ولعبها ، وغنائها وطربها ، يمتلئ قلبه بما هو فيه لذة وسرورا . ويستقل عقولهم ويرى ذلك فتنه وغرورا ، ويعلم أن جميع ذلك عن قريب سيزول ، ويعظم فيه تعب الحساب ويطول ، وكأنك بالمسكن وقد خلا من السكان ، وكان ما كانوا فيه من العز والنعيم ما كان ، وينشد المعتبر بهم ويقول :
[ لوحة رقم 151 ]
ركوب النعش أنساهم ركوبا * على الخيل العتيقات النجاب
وليل القبر أنساهم لليل * به عرس المليحات النجاب
وأنساهم لفرش ناعمات * لها قد زينوا فرش التراب
علا الدود الخدود وغاص فيها * أكولا للبهيات التراب « * 1 »
[ وأما القسم الثاني ] « 6 » هو عيش المتنعمين بالدنيا ذوى الاغترار ، فمعلوم ما فيه من شوب
هامش
( 1 ) ( فأما ) بياض في ( ب ) ، ( ك ) .
( 2 ) يتعلق زيادة من ( ط ، ك ) .
( 3 ) في ( ب ) ( يطيقه ) .
( 4 ) ما بين المعقوفتين ساقط من ( ب ) .
( 5 ) ف ( ط ) ( مركبها ) .
( * 1 ) هذه أبيات قيلت على سبيل العبرة من أصحاب القبور ولم يعرف القائل وهي من البحر الوافر .
( 6 ) ما بين المعقوفتين بياض في " ب " ومطموس في ( ك ) .