توحيد من ينطق عن نعته * عارية أبطلها الواحد
توحيده إياه توحيده * ونعت من ينعته لاحد »
قوله « ما وحد الواحد من واحد » يعني : ما وحد اللّه عز وجل أحد سواه . وكل من وحد اللّه فهو جاحد لحقيقة توحيده . فإن توحيده يتضمن شهود ذات الواحد وانفراده . وتلك إثنينية ظاهرة .
بخلاف توحيده لنفسه . فإنه يكون هو الموحد والموحد ، والتوحيد صفته وكلامه القائم به . فما ثم غير . فلا إثنينية ولا تعدد .
وأيضا فمن وحده من الخلق فلا بد أن يصفه بصفة . وذلك يتضمن جحد حقه الذي هو عدم انحصاره تحت الأوصاف . فمن وصفه فقد جحد إطلاقه عن قيود الصفات .
وقوله « توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد » .
يعني توحيد الناطقين عنه عارية أبطلها الواحد . يعني : عارية مردودة ، كما تسترد العواري ، إشارة إلى أن توحيدهم عارية لا ملك لهم . بل الحق أعارهم إياه ، كما يعير المعير متاعه لغيره ينتفع به . ويكون ملكا للمعير لا للمستعير .
وقوله « أبطلها الواحد » أي الواحد المطلق من كل الوجوه . وحدته تبطل هذه العارية ، وتردها إلى مالكها الحق . فإن « الوحدة » المطلقة من جميع الوجوه تنافي ملك الغير لشيء من الأشياء ، بل المالك لتلك العارية هو الواحد فقط . فلذلك أبطلت « الوحدة » هذه العارية .
وقوله « توحيده إياه توحيده » أي توحيده الحقيقي : هو توحيده لنفسه بنفسه من غير أثر للسوى بوجه . بل لا سوى هناك .
وقوله « ونعت من ينعته لاحد » أي نعت الناعت له إلحاد ، وهو عدول عما يستحقه من كمال التوحيد . فإنه أسند إلى نزاهة الحق ما لا يليق به إسناده . فإن عين الأولية تأبى نطق الحدث .
ومحض التوحيد يأبى أن يكون للسوى أثر البتة .
فيقال - وباللّه التوفيق - : في هذا الكلام من الإجمال « 1 » والحق والإلحاد ما لا يخفى .
فأما قوله « إن الرب تعالى هو الموحد لنفسه في قلوب صفوته . لا أنهم هم الموحدون له » إن أريد به ظاهره ، وأن الموحد للّه هو اللّه لا غيره ، وأن اللّه سبحانه حل في صفوته ، حتى وحد نفسه ، فيكون هو الموحد لنفسه في قلوب أوليائه ، لاتحاده بهم وحلوله فيهم : فهذا قول النصارى بعينه « 2 » . بل هو شر منه . لأنهم خصوه بالمسيح . وهؤلاء عموا به كل موحد « 3 » ، بل عند الاتحادية : الموحد والموحّد واحد . وما ثمّ تعدد في الحقيقة .
وإن أريد به : هو الذي وفقهم لتوحيده ، وألهمهم إياه ، وجعلهم يوحدونه . فهو الموحد
هامش
( 1 ) بل فيه من البيان والإيضاح والتفصيل لدين الصوفية ما يتهاوى بجانبه كل اعتذار عنه وتأويل .
( 2 ) ولم تبتدعه النصارى . وإنما أدخله الصوفية في قلوب النصارى وفي قلوب كل مشرك من قبل النصارى . بل في قلوب قوم نوح . كما قال اللّه :يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ[ التوبة : 34 ] .
( 3 ) ولذلك يقول عبد الكريم الجيلي في كتابه « الإنسان الكامل » أضل الناس المحمديون . وأهدى منهم الثنوية .
وأهدى منهم المثلثون . وأهدى منهم من يرى ربه ويعبده في كل شيء ، أو كما قال .