تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 964

مساهمون:

ص٩٦٤
لنفسه بما عرّفهم به من توحيده ، وبما ألقاه في قلوبهم وأجراه على ألسنتهم : فهذا المعنى صحيح . ولكن لا يصح نفي أفعالهم عنهم . فلا يقال : إن اللّه هو الموحد لنفسه . لا أن عبده يوحده . هذا باطل شرعا وعقلا وحسا بل الحق إن اللّه سبحانه وحد نفسه بتوحيد قام به . ووحده عبيده بتوحيد قام بهم بإذنه ومشيئته وتوفيقه ، فهو الموحد لنفسه بنفسه ، وهم الموحدون له بتوفيقه ومعونته وإذنه . فالذي قام بهم ليس هو الذي قام بالرب تعالى ولا وصفه ، بل العلم به ومحبته وتوحيده . ويسمى ذلك « الشاهد » و « المثل الأعلى » فهي الشواهد والأمثلة العلية ، التي قال اللّه تعالى فيها :
وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[ الرّوم : 27 ] وقال تعالى :
لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى
[ النّحل : 60 ] وكثيرا ما يقول الرجل لغيره : أنت في قلبي وفي فؤادي . والمراد : هذا ، لا ذاته ونفسه . وقوله « والذي يشار إليه على ألسنة المشيرين : أنه إسقاط الحدث ، وإثبات القدم » فإن أريد : إسقاطه من الوجود : فمكابرة للعيان . وإن أريد : إسقاطه من الشهود : فليس ذلك بمأمور به ، ولا هو كمال . فضلا عن أن يكون هو توحيد خاصة الخاصة . فما هذا الإسقاط للحدث الذي هو نهاية التوحيد ، وأعلى مقاماته ؟ وهل الكمال إلا أن يشهد الأشياء على ما هي عليه ، كما هي في شهادة الحق سبحانه ؟ . فإسقاط الحدث كلام لا حاصل له . إذ لا كمال فيه ، بل إنما ينفع إسقاط الحدث عند درجة القصد والتأله . فإسقاط الحدث - كما تقدم - ثلاث مراتب : إسقاطه عن الوجود . وهو مكابرة . وإسقاطه عن الشهود ، وهو نقص . وإسقاطه عن القصود . وهو كمال . ولهذا قال الملحد : إسقاط الحدث وإثبات القدم الصحيح . ونظر الوارد على هذه الحضرة لضعفه . فإذا تمكن عرف أن الحدث لم يزل ساقطا . فلا معنى لقوله « إسقاط الحدث » ولا معنى لقوله « إثبات القدم » فإن القديم لم يزل ثابتا . فهذا الكلام لا يرضى به الموحد ، ولا الملحد . ولا أشار إليه القرآن الذي تضمن أعلى مراتب التوحيد . بل القرآن - من أوله إلى آخره - يدل على خلافه . قال الملحد : وأيضا فالتوحيد يستغرق القول في الطمس . فإن كان هناك نطق فليس هناك شهود . كما قال في المواقف « أنا أقرب إلى اللسان من نطقه إذا نطق . فمن شهدني لم يذكر . ومن ذكرني لم يشهد » . قال : فقوله « من ذكرني لم يشهد » هو نفس قول صاحب المنازل . على أن هذا الرمز في ذلك التوحيد علة لا يصح ذلك التوحيد إلا بإسقاطها . وحقيقة ذلك : أنه لا يصح التوحيد إلا بإسقاط التوحيد . لأن ذلك الرمز والإشارة والخبر : هو عن نفس التوحيد . فهو توحيد نطقي خبري مطابق للتوحيد المعلوم المخبر عنه . فإذا لم يصح التوحيد إلا بإسقاط ذلك كانت حقيقة الأمر : أنه لا يصح التوحيد إلا بإسقاط التوحيد . ثم قال « هذا قطب الإشارة إليه على ألسن علماء هذا الطريق . وإن زخرفوا له نعوتا . وفصلوه فصولا » يعني : أن قولهم « التوحيد » هو إسقاط الحدث وإثبات القدم » هو قطب مدارات الإشارات إلى التوحيد عند هذه الطائفة . ومع هذا فلا يصح التوحيد إلا بإسقاط ما قالوه . ولذلك قال « فإن ذلك التوحيد تزيده العبارة خفاء ، والصفة نفورا . والبسط صعوبة » .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 964 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى