أما الموحدون ، فهم يقولون : إن الرسل والأنبياء والملائكة والمؤمنين يوحدون اللّه حق توحيده ، الذي يقدرون عليه . وأما الملحدون ، فيقولون : ما ثمّ غير في الحقيقة . فاللّه - عندهم - هو الوجود المطلق الساري في الموجودات . فهو الموحّد والموحّد . وكل ما يقال فيه فهو عندهم حق وتوحيد . كما قال عارف القوم ابن عربي :
سر حيث شئت . فإن اللّه ثمّ . وقل * ما شئت فيه . فإن الواسع اللّه
وقال أيضا :
عقد الخلائق في الإله عقائدا * وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه
ومذهب القوم : أن عبّاد الأوثان ، وعباد الصلبان ، وعباد النيران ، وعباد الكواكب . كلهم موحدون . فإنه ما عبد غير اللّه في كل معبود عندهم . ومن خرّ للأحجار في البيد ، ومن عبد النار والصليب فهو موحد عابد للّه . والشرك عندهم إثبات وجود قديم وحادث ، وخالق ومخلوق ، ورب وعبد . ولهذا قال بعض عارفيهم - وقد قيل له : القرآن كله يبطل قولكم . فقال - القرآن كله شرك . والتوحيد هو ما نقوله .
وإن كانت هذه القوافي الثلاثة أولا مذهب هؤلاء ونحلتهم . ولهذا تلقاها بالقبول عارفوهم ، وبالغوا في استحسانها ، وقالوا : هي ترجمة مذهب أهل التحقيق وكل من وحد اللّه فهو جاحد لإطلاقه . فإنه يصفه ، فيحصره تحت الأوصاف . وحصره تحتها جحد لإطلاقه عن قيود الصفات والنعوت . ولهذا كان توحيد الواصف الناعت له : عارية استعارها ، حتى قام لها من ذلك وصف وموصوف ، وموحّد وموحّد ، والوحدة المطلقة تبطل هذه العارية . وترد المستعار إلى الموجود المطلق الذي لا يتقيد بوصف ، ولا يتخصص بنعت .
ثم كشف الغطاء عن ذلك فقال « توحيده إياه توحيده » أي هو الموحد لنفسه بنفسه . لا أن غيره يوحده . إذ ليس ثم غير .
وزاد إيضاح ذلك بقوله « ونعت من ينعته لاحد » والإلحاد : هو الميل عن الصواب .
و « النعت » تقييد وتخصيص لمن لا يتقيد ولا يتخصص . فهو إلحاد .
وأحسن ما يحمل عليه كلامه : أن الفناء في شهود الأزلية والحكم يمحو شهود العبد لنفسه وصفاته ، فضلا عن شهود غيره . فلا يشهد موجدا فاعلا على الحقيقة إلا اللّه وحده . وفي هذا الشهود تفنى الرسوم كلها . فلا يبقي هذا الشهود والفناء رسما البتة . فيمحو هذا الشهود من القلب كل ما سوى الحق . لا أنه يمحقه من الوجود . وحينئذ فيشهد أن التوحيد الحقيقي - غير المستعار - هو توحيد الرب تعالى لنفسه . وتوحيد غيره له عارية محضة . أعاره إياها مالك الأمر كله . والعواري مردودة إلى من ترد إليه الأمور كلها :
وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
« 1 » [ يونس : 30 ] فالواحد القهار - سبحانه - أبطل تلك العارية : أن تكون ملكا للمعار ، كما يبين المعير للمستعير إذا استرد العين المعارة - وقد ظن المستعير أن المعار ملكه - : أن الأمر ليس كذلك ، وأنه عارية محضة في يده . والمعير - إن أبطل ظن المستعير من العارية - لم يبطل
هامش
( 1 ) أين معنى الآية من هذا ؟ إن ما بينهما كما بين الظلمات والنور .