قوله « وألاح منه لائحا إلى أسرار طائفة من صفوته » أي أظهر منه شيئا يسيرا ، أسرّه إلى طائفة قليلة من الخلق . وهم أهل صفوته .
وقوله « أخرسهم عن نعته » يحتمل أن يريد به : أنه لا يقبل نعت المخلوقين كما لا يقبل لسان الأخرس الكلام . وعلى هذا فيكون نعته غير ممكن . ويحتمل أن يريد به : أنه حال بينهم وبين نعته ، لعجز السامع عن فهمه . فيكون نعته ممكنا . لكن الحق أسكتهم عنه ، غيرة عليه وصيانة له .
قوله « وأعجزهم عن بثه » أي لم يقدرهم على الإخبار عنه .
فيقال : أفضل صفوة الرب تعالى : الأنبياء ، وأفضلهم : الرسل ، وأفضلهم : أولو العزم ، وأفضلهم : الخليلان عليهما الصلاة والسلام ، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين . والذي ألاحه اللّه إلى أسرارهم من ذلك : هو أكمل توحيد عرفه العباد . ولا أكمل منه . وليس وراءه إلا الشطح والدعاوى والوساوس « 1 » . وهم - صلوات اللّه وسلامه عليهم - قد تكلموا بالتوحيد . ونعتوه وبينوه . وأوضحوه وقرروه ، بحيث صار في حيز التجلي والظهور والبيان . فعقلته القلوب .
وحصلته الأفئدة . ونطقت به الألسنة ، وأوضحته الشواهد . وقامت عليه البراهين . ونادت عليه الدلائل . ولا يمكن أحدا أن ينقل عن نبي من الأنبياء ، ولا وارث نبي داع إلى ما دعا إليه : أنه يعلم توحيدا لا يمكنه النطق به . وأن اللّه سبحانه أخرسه عن نطقه وأعجزه عن بثه . بل كل ما علمه القلب أمكن اللسان التعبير عنه . وإن اختلفت العبارة ظهورا وخفاءا وبين ذلك . وقد لا يفهمه إلا بعض الناس . فالناس لم تتفق أفهامهم لما جاءت به الرسل .
وكيف يقال : إن أعرف الخلق ، وأفصحهم وأنصحهم : عاجز أن يبين ما عرّفه اللّه من توحيده ، وأنه عاجز عن بثه ؟ فما هذا التوحيد الذي عجزت الأنبياء والرسل عن بثه ، ومنعوا من النطق به . وعرفه غيرهم ؟ هذا كله إن أريد به كلهم التوحيد القائم بذات الحق تعالى لنفسه .
فأما إن أريد به التوحيد ، الذي هو صفة العبد وفعله : فلم يطابق قوله « اختصه الرب لنفسه .
واستحقه لقدره » ولا يطابق القوافي الثلاث التي أجاب بها الشيخ عنه ، وأن توحيده نفسه : هو التوحيد لا غيره .
وأيضا فصفة العبد وفعله لا يعجز عن بثها ، ولا يخرس عن النطق بها . وكل ما قام بالعبد فإنه يمكنه التعبير عنه وكشفه وبيانه .
فإن قيل : المراد بذلك : أن الرب تعالى هو الموحد لنفسه في قلوب صفوته . لا أنهم هم الموحدون له ، ولهذا قال الشيخ « والذي يشار إليه على ألسن المشيرين : أنه إسقاط الحدث ، وإثبات القدم » وعليه : أنشد هذه القوافي الثلاث وهي :
« ما وحد الواحد من واحد * إذ كل من وحده جاحد
هامش
( 1 ) بل ليس وراءه إلا ما يقصده الصوفية - ومنهم الهروي - في قولهم : « أخرسهم عن نعته » وأشباه هذا القول .
فإنهم ما خرسوا عن التصريح بعقيدة وحدة الوجود - التي يقيمون منها سترا لطاغوتيتهم وتأليههم أنفسهم - إلا خوف الذبح كما حصل للحلاج والجعد بن درهم وإخوانهما من الكفرة الفجرة . وهم في الكفر ملة واحدة .