تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 961

مساهمون:

ص٩٦١
المرتبة الأولى : هداية العلم والبيان . فيجعله عالما بالحق مدركا له . الثانية : أن يقدره عليه . وإلا فهو غير قادر بنفسه . الثالثة : أن يجعله مريدا له . الرابعة : أن يجعله فاعلا له . الخامسة : أن يثبته على ذلك . ويستمر به عليه . السادسة : أن يصرف عنه الموانع والعوارض المضادة له . السابعة : أن يهديه في الطريق نفسها هداية خاصة . أخص من الأولى . فإن الأولى هداية إلى الطريق إجمالا . وهذه هداية فيها وفي منازلها تفصيلا . الثامنة : أن يشهده المقصود في الطريق ، وينبهه عليه . فيكون مطالعا له في سيره ، ملتفتا إليه ، غير محتجب بالوسيلة عنه . التاسعة : أن يشهده فقره وضرورته إلى هذه الهداية فوق كل ضرورة . العاشرة : أن يشهده الطريقين المنحرفين عن طريقها . وهما طريق أهل الغضب ، الذين عدلوا عن اتباع الحق قصدا وعنادا . وطريق أهل الضلال الذين عدلوا عنها جهلا وضلالا . ثم يشهد جمع
« الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ »
في طريق واحد عليه جميع أنبياء اللّه ورسله . وأتباعهم من الصديقين والشهداء والصالحين . فهذا هو الجمع الذي عليه رسل اللّه وأتباعهم . فمن حصل له هذا الجمع . فقد الصراط المستقيم . واللّه أعلم .

توحيد اختصه الحق لنفسه

قال الشيخ « وأما التوحيد الثالث : فهو توحيد اختصه الحق لنفسه . واستحقه لقدره . وألاح منه لائحا إلى أسرار طائفة من أهل صفوته . وأخرسهم عن نعته ، وأعجزهم عن بثه » . فيقال : إما أن يريد بهذا التوحيد : توحيد العبد لربه . وهو ما قام بالعبد من التوحيد . لا يريد به توحيد الرب لنفسه . وهو ما قام به من صفاته وكماله . فإذا أراد به توحيد الرب لنفسه بنفسه . وهو علمه وكلامه ، وخبره الذي يخبر به عن نفسه وصفاته . كقوله :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
[ آل عمران : 18 ] وقوله :
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي
[ طه : 14 ] وقوله :
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
[ الحشر : 22 ] ونحو تلك . فذلك هو صفة الرب القائمة به . كما يقوم به سائر صفاته : من حياته ، وعلمه ، وقدرته ، وإرادته ، وسمعه وبصره . وذلك لا يفارق ذات الرب ، ولا ينتقل إلى غيره . بل صفات المخلوق لا تفارقه ، ولا تنتقل إلى غيره . فكيف صفات الخالق جل وعلا ؟ ولكنه - سبحانه وتعالى - يدل على ذلك بآياته القولية والفعلية . فيعلم عباده ما قام به من التوحيد لنفسه ، بما دلهم عليه من قوله وفعله . فإذا شهد عبده له بما شهد به لنفسه ، قيل : هذه الشهادة هي شهادة الرب ، بمعنى : أنها مطابقة لها موافقة لها ، لا بمعنى أنها عينها . وأن الشهادتين واحدة بالعين . فما قام بقلب العبد إلا صفته وكلامه وخبره وإرادته . وهو غير ما قام بذات الرب من صفته وكلامه . وخبره ، وإن طابقه ووافقه . وعلى هذا فقوله « اختصه الحق لنفسه » أي لا يوحده به غيره « واستحقه لقدره » أي استحقه بقدر كنهه الذي لا يبلغه غيره .