الحادثات خارج عن مشيئته وخلقه وتكوينه ، أو أن أفعال عباده خارجة عن إرادتهم ومشيئتهم وقدرتهم . وليسوا هم الفاعلين لها . فإن هذا الشهود كله عمى ، وأصحابه قد جمعوا بين ما فرق اللّه بينه . وفرقوا بين ما جمع اللّه بينه . ولم يهتدوا إلى الشهود الصحيح . الذي يميز به صاحبه بين وجود الخالق ووجود المخلوق وبين المأمور ، والمحظور . وبين فعل الرب ، وفعل العبد ، وبين ما يحبه ويبغضه .
وصاحب هذا الشهود : لا يغيب بأفعال العباد عن فعل الرب وقضائه وقدره . ولا يغيب بقضائه وقدره عن أمره ونهيه ومحبته لبعضها وكراهته لبعضها . ولا يغيب بوجود الخالق عن وجود المخلوق ، ولا برؤية الخلق عن ملاحظة الخالق . بل يضع الأمور مواضعها . فيشهد القدر العام السابق الذي لا خروج لمخلوق عنه . كما لا خروج له عن أن يكون مربوبا فقيرا بذاته .
ويذم العباد ويمدحهم بما حركهم به القدر من المعاصي والطاعات ، بخلاف صاحب الجمع بلا فرق . فإنه ربما عذر أصحاب الشرك والمعاصي ، لاستيلاء شهود الجمع على قلبه . ويقول :
العارف لا ينكر منكرا . لاستبصاره بسر اللّه في القدر . فشهوده من الخلق موافقتهم لما شاء اللّه منهم .
فالشاهد المبصر المتمكن يشهد القيومية والقدر السابق الشامل المحيط . ويشهد اكتساب العباد وما جرى به عليهم القدر من الطاعات والمعاصي . ويشهد حكمة الرب تعالى وأمره ونهيه وحبه وكراهيته .
جمع توحيد الربوبية وجمع توحيد الإلهية
إذا عرفت هذه المقدمات : فالجمع الصحيح - الذي عليه أهل الاستقامة - هو جمع توحيد الربوبية وجمع توحيد الإلهية . فيشهد صاحبه قيومية الرب تعالى فوق عرشه ، يدبر أمر عباده وحده . فلا خالق ولا رازق ، ولا معطي ولا مانع ، ولا مميت ولا محيي ، ولا مدبر لأمر المملكة - ظاهرا وباطنا - غيره . فما شاء كان . وما لم يشأ لم يكن . لا تتحرك ذرة إلا بإذنه . لا يجري حادث إلا بمشيئته ولا تسقط ورقة إلا بعلمه . ولا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا أحصاها علمه . وأحاطت بها قدرته . ونفذت بها مشيئته . واقتضتها حكمته . فهذا جمع توحيد الربوبية .
وأما جمع توحيد الإلهية ، فهو : أن يجمع قلبه وهمه وعزمه على اللّه . وإرادته ، وحركاته على أداء حقه تعالى ، والقيام بعبوديته سبحانه . فتجتمع شؤون إرادته على مراده الديني الشرعي .
وهذان الجمعان : هما حقيقة
( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )
فإن العبد يشهد من قوله
« إِيَّاكَ »
الذات الجامعة لجميع صفات الكمال ، التي لها كل الأسماء الحسنى . ثم يشهد من قوله
« نَعْبُدُ »
جميع أنواع العبادة ظاهرا وباطنا . قصدا وقولا وعملا وحالا واستقبالا . ثم يشهد من قوله
« وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
جميع أنواع الاستعانة ، والتوكل والتفويض . فيشهد منه جمع الربوبية . ويشهد من
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ »
جمع الإلهية . ويشهد من
« إِيَّاكَ »
الذات الجامعة لكل الأسماء الحسنى والصفات العلى .
ثم يشهد من « اهدنا » عشر مراتب . إذا اجتمعت حصلت له الهداية .