تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 965

مساهمون:

ص٩٦٥
فإنه إذا لم يصح إلا بإسقاط الإشارة والصفة والبسط : كانت العبارة عنه لا تزيده إلا خفاء ، ولا الصفة إلا نفارا ، أي هروبا وذهابا . والبسط والإيضاح لا يزيده إلا صعوبة ، لكثرة الإشارات والعبارات . قوله « وإلى هذا التوحيد : شخص أهل الرياضة . وأرباب الأحوال » أي تطلعت قلوبهم « وإليه قصد أهل التعظيم . وإياه عنى المتكلمون في عين الجمع . وعليه تصطلم الإشارات . ثم لم ينطق عنه لسان . ولم تشر إليه عبارة » . فيقال : ياللّه العجب ! ما هذا السر الذي ما تكلم اللّه به ، ولا أشار إليه رسوله ، ولا نالته إشارة ، ولا قامت به عبارة ، ولا أشار إليه مكون ، ولا تعاطاه حين ، ولا أقله سبب ؟ ! فهذه العقول حاضرة . وهذه المعارف . وهذا كلام اللّه ورسوله ، بل سائر كتب اللّه ، وكلام سادات العارفين من الأمة ، فما هذا الحق المحال به ؟ وعلى من وقعت هذه الحوالة ؟ فإنكم أحلتم بما لا ينطق عنه لسان . ولم تشر إليه عبارة . ولا تعاطاه حين ، ولا أقله سبب . فعلى من أحلتم بهذا الحق المجهول الذي لا سبيل إلى العلم به ، ولا التعبير عنه ، ولا الإشارة إليه ؟ ! ! وأين قوله « ما وحد الواحد من واحد » من قوله تعالى :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ
[ آل عمران : 18 ] فأخبر سبحانه أن الملائكة كلهم يوحدونه . وأن أولي العلم يوحدونه . وكذلك إخباره عن أنبيائه ورسله وأتباعهم : أنهم وحدوه ، ولم يشركوا به شيئا . كما أخبر عن نوح ومن آمن معه . وعن جميع الرسل ومن تبعهم . بل أخبر سبحانه عن السماوات السبع والأرض وما فيهن : أنها تسبح بحمده توحيدا ومعرفة . فهل يصح أن يقال : ما وحده أحد من الرسل والأنبياء والمؤمنين ؟ ولا سبح بحمده سماء ولا أرض ولا شيء ؟ وأبطل الباطل أن يقال : كل من وحد اللّه من الأولين والآخرين جاحد له ولتوحيده . لا موحد له على الحقيقة ؟ وأن نعت جميع الرسل والأنبياء وأتباعهم له إلحاد . وكل من نعته من الأولين والآخرين فهو لاحد . فلا معنى صحيح . ولا لفظ مليح . بل المعنى أبطل من اللفظ . واللفظ أقبح من المعنى ! . ثم يقال : فهذا الذي ذكرته - في هذه الدرجة - هل هو توحيد ، ووصف للتوحيد : أم ليس بتوحيد ؟ فإن لم يكن توحيدا فهو باطل . وإن كان توحيدا فقد وحدت الواحد . وأيضا فإذا كان توحيده لنفسه هو التوحيد ، وما عداه فليس بتوحيد . فمعلوم : أن توحيده لنفسه هو الذي أرسل به رسله ، وأنزل به كتبه . وأخبر به عن نفسه في القرآن من أوله إلى آخره . وهذا عندك هو توحيد العامة . فأين هذا التوحيد الذي وحد به نفسه . ولم ينطق به لسان . ولم تعبر عنه عبارة . ولم يقله سبب ؟ . فإن قلت : هو التوحيد القائم به . فذلك هو وصفه وكلامه وعلمه بنفسه . وليس ذلك من فعل العبد ولا صفته ، حتى يكون هو الدرجة الثالثة من توحيد العبد لربه ، كما أن سائر صفاته لا تدخل في درجات السلوك . فإن تلك الدرجات هي منازل العبودية . وأيضا فإن هذا الكلام الذي اشتملت عليه هذه الأبيات : لا يستقيم على مذهب الملحدين . ولا على مذهب الموحدين .