والمحظور إذ قالوا :
إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا
[ البقرة : 275 ] لا فرق بينهما . وقالوا : الميتة مثل المذكاة . لا فرق بينهما ، وقالوا : الحلال والحرام شيء واحد . فهذا جمعهم وذاك فرقهم . فهذا فرق يتعلق بالأعمال .
حول القضاء والقدر
وأما « الفرق الإيماني » الذي يتعلق بمسائل القضاء والقدر : فهو التمييز الإيماني بين فعل الحق سبحانه وأفعال العباد ، فيؤمن بأن اللّه وحده خالق كل شيء . وليس في الكون إلا ما هو واقع بمشيئته وقدرته وخلقه . ومع ذلك يؤمن بأن العبد فاعل لأفعاله حقيقة . وهي صادرة عن قدرته ومشيئته ، قائمة به . وهو فاعل لها على الحقيقة . فيشهد تفرد الرب سبحانه بالخلق والتقدير ، ووقوع أفعال العباد منهم بقدرتهم ومشيئتهم . واللّه الخالق لذلك كله .
وهنا انقسم أصحاب هذا « الفرق » ثلاثة أقسام : قسم غابوا بأفعالهم وحركاتهم عن فعل الرب تعالى وقضائه ، مع إيمانهم به . وقسم غابوا بفعل الرب وتفرده بالحكم والمشيئة عن أفعالهم وحركاتهم . وقسم أعطوا المراتب حقها . فآمنوا بفعل الرب وقدرته ومشيئته وتفرده بالحكم والقضاء . وشهدوا وقوع الأفعال من فاعليها ، واستحقاقهم عليها المدح والذم والثواب والعقاب .
فالفريق الأول : يغلب عليهم الفرق الطبيعي . ولم يصعدوا إلى مشاهدة الحكم .
والفريق الثاني : يغلب عليهم حال « الجمع » وهو شهود قدر الرب تعالى ومشيئته وتدبيره لخلقه . فتجتمع قلوبهم على شهود أفعاله ، بعد أن كانت متفرقة في رؤية أفعال الخلق . وتغيب بفعله عن أفعالهم . وربما غلب عليها شهود ذلك حتى أسقطت عنهم المدح والذم بالكلية .
فكلاهما منحرف في شهوده .
والفريق الثالث : يشهد الحكم والتدبير العام لكل موجود . ويشهد أفعال العباد ووقوعها بإرادتهم ودواعيهم . فيكون صاحب جمع وفرق . فيجمع الأشياء في الحكم الكوني القدري .
ويفرق بينها بالحكم الكوني أيضا . كما فرق اللّه بينها بالحكم الديني الشرعي . فإن اللّه سبحانه فرق بينها خلقا وأمرا وقدرا وشرعا ، وكونا ، ودينا .
فالشهود الصحيح المطابق : أن يشهدها كذلك . فيكون صاحب جمع في فرق ، وفرق في جمع . جمع بينها في الخلق والتكوين ، وشمول المشيئة لها وفرّق بينها بالأمر والنهي ، والحب والبغض . فشهدها وهي منقسمة إلى مأمور ومحظور ، ومحبوب ، ومكروه ، كما فرق خالقها بينها . ويشهد الفرق بينها أيضا قدرا . فإنه كما فرق بينها أمره فرّق بينها قدره . فقدّر المحبوب محبوبا ، والمسخوط مسخوطا ، والخير على ما هو عليه ، والشر على ما هو عليه . فافترقت في قدره كما افترقت في شرعه . فجمعتها مشيئته وقدره . وفرقت بينها مشيئته وقدره ، فشاء سبحانه كلّا منها أن يكون على ما هو عليه . ذاتا وقدرا وصفة . وأن يكون محبوبا أو مسخوطا . وأشهدها أهل البصائر من خلقه . كما هي عليه .
فهؤلاء أصح الناس شهودا . بخلاف من شهد المخلوق قديما ، والوجود المخلوق هو عين وجود الخالق ، والمأمور والمحظور سواء ، والمقدور كله محبوبا مرضيا له . أو أن بعض