فإن قلت : إنما يريد إسقاطها من التفات القلب إليها ، والوقوف معها .
قلت : هذا قد تقدم في أول الدرجة في قوله « وهو إسقاط الأسباب الظاهرة » وقد عرفت ما فيه .
وبالجملة : فالإسقاط إما لعين الوجود ، أو لعين الشهود ، أو لعين المقصود . فالأول :
محال . والثاني : نقص . والثالث : حق ، لكنه ليس مراد الشيخ . فتأمله .
وقوله « وفني من لم يكن . وبقي من لم يزل » إن أراد به : فناء الوجود الخارجي : فهذا مكابرة . وإن أراد به : أنه فني من الشهود ، فهذا نقص في الإيمان والتوحيد - كما تقرر - وإن أراد به : أن يفنى في القصد والإرادة والمحبة ، فهذا هو الحق . وهو الفناء عن إرادة السوى وقصده ومحبته .
قوله « هذا توحيد الخاصة ، الذي يصح بعلم الفناء . ويصفو في علم الجمع . ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع » يعني : توحيد المتوسطين الذين ارتفعوا عن العامة ، ولم يصلوا إلى منزلة خاصة الخاصة .
قوله « يصح بعلم الفناء » ولم يقل : بحقيقة الفناء . لأن درجة العلم في هذا السلوك قبل درجة الحال والمعرفة . وهذه درجة متوسط لم يبلغ الغاية . وحال الفناء لصاحب الدرجة الثالثة .
وكذلك قوله « ويصفو في علم الجمع » فإن علم الجمع قبل حال الجمع ، كما تقدم في بابه .
قوله « ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع » يريد : أن هذا المقام يجذب أهله إلى توحيد الفريق الثاني الذين هم فوقهم . وهم أصحاب الجمع . وقد تقدم ذكر الجمع ولم يحصل به الشفاء .
ونحن الآن ذاكرون حقيقته وأقسامه ، والصحيح منه والمعلول . واللّه المستعان .
« الجمع » في اللغة الضم . والاجتماع الانضمام ، والتفريق : ضده . وأما في اصطلاح القوم : فهو شخوص البصيرة إلى من صدرت عنه المتفرقات كلها . وهو ثلاثة أنواع : جمع وجود . وهو جمع الزنادقة من أهل الاتحاد وجمع شهود . وجمع قصود . فإذا تحررت هذه الأقسام تحرّر الجمع الصحيح من الفاسد .
وكذلك ينقسم « الفرق » إلى صحيح وفاسد . أعني إلى مطلوب في السلوك وقاطع عن السلوك . فالفرق ثلاثة أنواع . فرق طبيعي حيواني ، وفرق إسلامي . وفرق إيماني . هذه ستة أقسام للجمع وللفرق .
فنذكر أنواع « الفرق » أولا ، إذ بها تعرف أنواع « الجمع » .
فأما « الفرق » الطبيعي الحيواني : فهو التفريق بمجرد الطبع والميل . فيفرق بين ما يفعله وما لا يفعله بطبعه وهواه . وهذا فرق الحيوانات وأشباهها من بني آدم . فالمعيار ميل طبعه ، ونفرة طبعه . والمشركون والكفار وأهل الظلم والعدوان واقفون مع هذا الفرق .
وأما « الفرق » الإسلامي : فهو الفرق بين ما شرعه اللّه وأمر به وأحبه ورضيه ، وبين ما نهى عنه وكرهه ومقت فاعله . وهذا الفرق من لم يكن من أهله لم يشم رائحة الإسلام البتة . وقد حكى اللّه سبحانه عن أهل الفرق الطبيعي : أنهم أنكروا هذا الفرق . فشهدوا الجمع بين المأمور
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 958
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٩٥٨