العلم والحكم بوجود الولد عن أبويه ، والمطر عن السحاب ، والنبات عن الماء ، والإزهاق عن القتل ، وأسباب الموت . فهذه هي المشاهدة الصحيحة . لا إسقاط الأسباب والوسائل والأدلة .
قوله « ووضع الأشياء مواضعها ، وتعليقها بأحايينها ، وإخفائها في رسومها » هذه ثلاثة أشياء - المكان ، والزمان . والمادة - التي لا بد لكل مخلوق منها . فإن المخلوق لا بد له من زمان يوجد فيه ، ومكان يستقر فيه ، ومادة يوجد بها . فأشار إلى الثلاثة . فالمواضع : الأمكنة .
والأحايين : الأزمنة . والرسوم : المواد الحاملة لها . والرسوم : هي الصورة الخلقية .
وكأن شيخ الإسلام أراد بها هنا الأسباب . وأن اللّه سبحانه غطى حقائق الأشياء عن أبصار الخلق بما يشاهدونه من تعلق المسببات بأسبابها . فنسبوها إليها . فصاحب هذه الدرجة : يشهد كيف أظهر الرب سبحانه الأشياء في موادها وصورها وأظهرها بأسبابها ، وأخفى علمه وحكمه فيما أظهره من ذلك . فالظهور : للأسباب المشاهدة . والحقيقة المخفية : للعلم والحكم السابقين .
قوله « وتحقق معرفة العلل » يريد : أن هذا التوحيد يحقق لصاحبه معرفة علل الأحوال والمقامات والأعمال . وهي عبارة عن عوائق السالك : من نظره إلى السوى ، والتفاته إليه . فهذه الدرجة من التوحيد - عنده - تحقق هذه العلل .
ويحتمل أن يريد بالعلل : الأسباب التي ربطت بها الأحكام . فصاحب هذه الدرجة يعرف حقيقتها ومرتبتها كما هي عليه . لأنه قد صعد منها إلى مسببها وواضعها .
قوله « ويسلك سبيل إسقاط الحدث » .
يريد : أنه في هذا الشهود ، وهذه الملاحظة المذكورة : سالك سبيل الذين شهدوا عين الأزل . فنفى عنهم شهود الحدث . وذلك بالفناء في حضرة الجمع . فإنها هي التي يفنى فيها من لم يكن ، ويبقى فيها من لم يزل .
فإن أراد بإسقاط الحدث : أنه يعتقد نفي حدوث شيء ، فهذا مكابرة للحس والشهود . وإن أراد : إسقاط الحدث من قلبه ، فلا يشهد حادثا ومحدثا - وهذا مراده - فهذا خلاف ما أمر اللّه ورسوله به ، وخلاف الحق . فإن العبد مأمور أن يشهد : أن لا إله إلا اللّه . وأن محمدا رسول اللّه ، ويشهد : أن الجنة حق والنار حق ، والساعة حق ، والنبيين حق ، ويشهد حدوث المحدثات بإحداث الرب تعالى لها بمشيئته وقدرته ، وبما خلقه من الأسباب ، ولما خلقه من الحكم ، ولم يأمر العبد - بل لم يرد منه - أن لا يشهد حادثا ولا حدوث شيء . وهذا لا كمال فيه . ولا معرفة ، فضلا عن أن يكون غاية العارف ، وأن يكون توحيد الخاصة . والقرآن - من أوله إلى آخره - صريح في خلافه . فإنه أمر بشهود الحادثات والكائنات ، والنظر فيها ، والاعتبار بها ، والاستدلال بها على وحدانية اللّه سبحانه ، وعلى أسمائه وصفاته . فأعرف الناس به ، وبأسمائه وصفاته : أعظمهم شهودا لها ، ونظرا فيها ، واعتبارا بها . فكيف يكون لبّ التوحيد وقلبه وسره :
إسقاطها من الشهود « 1 » .
هامش
( 1 ) ليس بغريب عند الصوفية ، لأن توحيدهم غير توحيد المرسلين .