[ القصص : 56 ] وقوله :
فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
[ فاطر : 8 ] فإن اللّه سبحانه تكلم بهذا وهذا . فرسله الهداة هداية الدلالة والبيان . وهو الهادي هداية التوفيق والإلهام فالرسل هم الأدلة حقا . واللّه سبحانه هو الموفق الملهم ، الخالق للهدى في القلوب .
قوله « ولا في التوكل سببا » يريد : أنك تجرد التوكل عن الأسباب ، فإن أراد تجريده عن القيام بها : فباطل ، كما تقدم . وإن أراد تجريده عن الركون إليها ، والوقوف معها ، والوثوق بها :
فهو حق . وإن أراد تجريده عن شهودها : فشهودها على ما هي عليه أكمل . ولا يقدح في التوحيد بوجه ما .
وكذلك قوله « ولا في النجاة وسيلة » إنما يصح على وجه واحد . وهو أن يشهد حصول النجاة بمجرد الوسائل من الأعمال والأسباب . وأما إلغاء كونها وسائل ؛ فباطل ، يخالف الشرع والعقل . وأما عدم شهودها وسائل ، مع اعتقاد كونها وسائل : فليس بكمال . وشهودها وسائل - كما جعلها اللّه سبحانه - أكمل مشهدا ، وأصح طريقة . وباللّه التوفيق .
وقد بينا - فيما تقدم - أن الكمال : أن تشهد العبودية وقيامك بها . وتشهد أنها من عين المنة والفضل ، وتشهد المعبود . فلا تغيب بشهوده عن شهود أمره . ولا تغيب بشهود أمره عن شهوده ولا تغيب بشهوده وشهود أمره عن شهود فضله ومنته وتوفيقه ، وشهود فقرك وفاقتك ، وأنك به لا بك . وقد خرج النبي صلى اللّه عليه وسلم يوما على حلقة من أصحابه ، وهم يتذاكرون . فقال : « ما أجلسكم ؟ قالوا : جلسنا نذكر ما منّ اللّه به علينا ، وهدانا بك إلى الإسلام . فقال : اللّه ، ما أجلسكم إلا ذلك ؟ قالوا : اللّه ما أجلسنا إلا ذلك ؟ فقال : أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم .
ولكن اللّه يباهي بكم الملائكة » ولم يقل لهم : لا تشهدوا في التوحيد دليلا ، ولا في النجاة وسيلة . بل كان من أسباب مباهاة اللّه بهم الملائكة : شهودهم سبب التوحيد ، ووسيلة النجاة .
وأنها من منّ اللّه عليهم ، كما قال تعالى :
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
[ آل عمران : 164 ] فكيف يكون كمالهم في أن لا يشهدوا الدليل الذي يزكيهم ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويهديهم ؟ ويسقطونه من الشهود والسببية ؟ .
قوله « فيكون شاهدا سبق الحق بعلمه وحكمه ، ووضعه الأشياء مواضعها ، وتعليقه إياها بأحايينها ، وإخفائه إياها في رسومها » .
ليس الشهود ها هنا متعلقا بمجرد أزلية الرب تعالى ، وتقدمه على كل شيء فقط . بل متعلق بسبق العلم والتقدير . فيرى الأشياء بعين سوابقها . وقد تقررت هناك في علم الرب وتقديره .
فينظر إليها هناك إذا نظر الناس إليها هنا . فيتجاوز نظره نظرهم . فيغلب شهود السوابق على ملاحظة اللواحق ، فيشهد تفرد الرب وحده . حيث لا موجود سواه . وقد علم الكائنات وقدر مقاديرها ، ووقّت مواقيتها ، وقررها على مقتضى علمه وحكمته . وقد سبق العلم المعلوم ، والقدر المقدور والإرادة المراد . فيرى الأشياء كلها ثابتة في علم اللّه سبحانه وحكمته قبل وجود العوالم . فأي وسيلة يشهد هناك ؟ وأي سبب ؟ وأي دليل هذا الذي يدندن الشيخ حوله ؟ وقد عرفت أن العلم والحكم سبق بوجود المسببات عن أسبابها وارتباطها بوسائلها وأدلتها . كما سبق