يحكم ، ولا يحصل للعبد ما لم تسبق له به المشيئة الإلهية . ولا يصرف عنه ما سبق به الحكم والعلم . فيأتي بالأسباب إتيان من لا يرى النجاة والفلاح والوصول إلا بها . ويتوكل على اللّه توكل من يرى أنها لا تنجيه ، ولا تحصّل له فلاحا ، ولا توصله إلى المقصود . فيجرد عزمه للقيام بها حرصا واجتهادا ، ويفرّغ قلبه من الاعتماد عليها ، والركون إليها ، تجريدا للتوكل ، واعتمادا على اللّه وحده . وقد جمع النبي صلى اللّه عليه وسلم بين هذين الأصلين في الحديث الصحيح . حيث يقول « احرص على ما ينفعك ، واستعن باللّه . ولا تعجز » فأمره بالحرص على الأسباب ، والاستعانة بالمسبب . ونهاه عن العجز . وهو نوعان : تقصير في الأسباب ، وعدم الحرص عليها ، وتقصير في الاستعانة باللّه ، وترك تجريدها . فالدين كله - ظاهره وباطنه ، شرائعه وحقائقه - تحت هذه الكلمات النبوية . واللّه أعلم .
الصعود عن منازعات العقول
قوله « والصعود عن منازعات العقول » هذا حق . ولا يتم التوحيد والإيمان إلا به . فما أفسد أديان الرسل إلا أرباب منازعات العقول . الذين ينازعون بمعقولهم في التصديق بما جاؤوا به ، وإثبات ما أثبتوه ، ونفي ما نفوه . فنازعت عقولهم ذلك . وتركوا لتلك المنازعات ما جاءت به الرسل . ثم عارضوهم بتلك المعقولات . وقدموها على ما جاؤوا به . وقالوا : إذا تعارضت عقولنا وما جاءت به الرسل : قدمنا ما حكمت به عقولنا على ما جاؤوا به . وقد هلك بهؤلاء طوائف لا يحصيهم إلا اللّه . وانحلوا بسببهم من أديان جميع الرسل .
قوله « ومن التعلق بالشواهد » كلام فيه إجمال . فالشواهد : هي الأدلة والآيات . فترك التعلق بها انسلاخ عن العلم ، والإيمان بالكلية . والتعلق بها وحدها ، دون من نصبها شواهد وأدلة :
انقطاع عن اللّه ، وشرك في التوحيد . والتعلق بها استدلالا ، ونظرا في آيات الرب ، ليصل بها إلى اللّه : هو التوحيد والإيمان .
وأحسن ما يحمل عليه كلامه : أنه يصعد عن الوقوف معها . فإنها وسائل إلى المقصود .
فلا ينقطع بالوسيلة عن المقصود . وهذا حق . لكن قوله « وهو أن لا يشهد في التوحيد دليلا » يكدر هذا المعنى ويشوشه . وليس بصحيح . بل الواجب : أن يشهد الأمر كما أشهده اللّه إياه .
فإن اللّه سبحانه نصب الأدلة على التوحيد . وأقام البراهين وأظهر الآيات . وأمرنا أن نشهد الأدلة والآيات . وننظر فيها ونستدل بها . ولا يجتمع هذا الإثبات وذلك النفي البتة . والمخلوقات كلها آيات للتوحيد . وكذلك الآيات المتلوة أدلة على التوحيد . فكيف لا يشهدها دليلا عليه ؟ هذا من أبطل الباطل . بل التوحيد - كل التوحيد - أن يشهد كل شيء دليلا عليه ، مرشدا إليه . ومعلوم أن الرسل أدلة للتوحيد . فكيف لا يشهدهم كذلك ؟ وكيف يجتمع الإيمان بهم وعدم شهودهم أدلة للتوحيد ؟ .
فانظر ماذا أدى إليه إنكار الأسباب ، والسلوك على درب الفناء في توحيد الأفعال . فهذا هو مقتضاه وطرده ، وإلا تناقض أصحابه . وقد قال اللّه تعالى لرسوله :
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ الشّورى : 52 ] وقال تعالى :
وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ
[ الرّعد : 7 ] والهادي : هو الدليل الذي يدل بهم في الطريق إلى اللّه ، والدار الآخرة . ولا يناقض هذا قوله :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ