تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 954

مساهمون:

ص٩٥٤
والآخر : عبودية وتوحيد . فالشرك : أن يعتمد عليها ويطمئن إليها ، ويعتقد أنها بذاتها محصلة للمقصود . فهو معرض عن المسبّب لها . ويجعل نظره والتفاته مقصورا عليها . وأما إن التفت إليها التفات امتثال وقيام بها وأداء لحق العبودية فيها ، وإنزالها منازلها : فهذا الالتفات عبودية وتوحيد ، إذ لم يشغله عن الالتفات إلى المسبّب . وأما محوها أن تكون أسبابا ؛ فقدح في العقل والحس والفطرة . فإن أعرض عنها بالكلية : كان ذلك قدحا في الشرع ، وإبطالا له . وحقيقة التوكل : القيام بالأسباب ، والاعتماد بالقلب على المسبّب ، واعتقاد أنها بيده . فإن شاء منعها اقتضاءها ، وإن شاء جعلها مقتضية لضد أحكامها . وإن شاء أقام لها موانع وصوارف تعارض اقتضاءها وتدفعه . فالموحد المتوكل : لا يلتفت إلى الأسباب ، بمعنى أنه لا يطمئن إليها ، ولا يرجوها ولا يخافها ، فلا يركن إليها . ولا يلتفت إليها - بمعنى أنه لا يسقطها ولا يهملها ويلغيها - بل يكون قائما بها ، ملتفتا إليها ، ناظرا إلى مسببها سبحانه ومجريها . فلا يصح التوكل - شرعا وعقلا - إلا عليه سبحانه وحده . فإنه ليس في الوجود سبب تام موجب إلا مشيئته وحده . فهو الذي سبب الأسباب . وجعل فيها القوى والاقتضاء لآثارها ، ولم يجعل منها سببا يقتضي وحده أثره : بل لا بد معه من سبب آخر يشاركه . وجعل لها أسبابا تضادها وتمانعها ، بخلاف مشيئته سبحانه . فإنها لا تحتاج إلى أمر آخر . ولا في الأسباب الحادثة ما يبطلها ويضادها ، وإن كان اللّه سبحانه قد يبطل حكم مشيئته بمشيئته . فيشاء الأمر ثم يشاء ما يضاده ويمنع حصوله . والجميع بمشيئته واختياره . فلا يصح التوكل إلا عليه ، ولا الالتجاء إلا إليه ، ولا الخوف إلا منه ، ولا الرجاء إلا له ، ولا الطمع إلا في رحمته ، كما قال أعرف الخلق به صلى اللّه عليه وسلم « أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك » وقال « لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك » . فإذا جمعت بين هذا التوحيد وبين إثبات الأسباب : استقام قلبك على السير إلى اللّه . ووضح لك الطريق الأعظم الذي مضى عليه جميع رسل اللّه وأنبيائه وأتباعهم . وهو الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم اللّه عليهم . وباللّه التوفيق . وما سبق به علم اللّه وحكمه حق . وهو لا ينافي إثبات الأسباب . ولا يقتضي إسقاطها . فإنه سبحانه قد علم وحكم : أن كذا وكذا يحدث بسبب كذا وكذا ، فسبق العلم والحكم بحصوله عن سببه . فإسقاط الأسباب خلاف موجب علمه وحكمه . فمن نظر إلى الحدوث بغير الأسباب : لم يكن نظره وشهوده مطابقا للحق ، بل كان شهوده غيبة ، ونظره عمى . فإذا كان علم اللّه قد سبق بحدوث الأشياء بأسبابها . فكيف يشهد العبد الأمور بخلاف ما هي عليه في علمه وحكمه وخلقه وأمره ؟ . والعلل التي تتقى في الأسباب نوعان : أحدهما : الاعتماد عليها ، والتوكل عليها ، والثقة بها ، ورجاؤها وخوفها . فهذا شرك يرق ويغلظ . وبين ذلك . الثاني : ترك ما أمر اللّه به من الأسباب . وهذا أيضا قد يكون كفرا وظلما وبين ذلك . بل على العبد أن يفعل ما أمره اللّه به من الأمر ، ويتوكل على اللّه توكل من يعتقد أن الأمر كله بمشيئة اللّه . سبق به علمه وحكمه . وأن السبب لا يضر ولا ينفع ، ولا يعطي ولا يمنع ، ولا يقضي ولا
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 954 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى