تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 953

مساهمون:

ص٩٥٣
وقد قال اللّه تعالى في السحاب :
فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
[ الأعراف : 57 ] وقال تعالى :
فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
[ الجاثية : 5 ] وقال تعالى :
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ
[ المائدة : 16 ] وقال تعالى :
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ العنكبوت : 8 ] و
بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ
[ الأعراف : 39 ]
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
( 51 ) [ الأنفال : 51 ] والقرآن مملوء من ترتيب الأحكام الكونية والشرعية والثواب والعقاب على الأسباب بطرق متنوعة . فيأتي بباء السببية تارة ، وباللام تارة ، وبأن تارة ، وبكي تارة ، ويذكر الوصف المقتضى تارة ، ويذكر صريح التعليل تارة ، كقوله ذلك بأنهم فعلوا كذا ، وقالوا كذا . ويذكر الجزاء تارة ، كقوله :
وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ
[ المائدة : 29 ] وقوله :
وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ
[ المائدة : 85 ] وقوله :
وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ
[ سبإ : 17 ] ويذكر المقتضى للحكم والمانع منه ، كقوله :
وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ
[ الإسراء : 59 ] وعند منكري الأسباب والحكم : لم يمنعه إلا محض مشيئته ليس إلا ، وقال :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ
[ يونس : 9 ] وقال :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ
[ إبراهيم : 1 ] وقال :
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ
( 24 ) [ الحاقّة : 24 ] وقال :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ( 2 ) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
[ الطّلاق : 2 ، 3 ] وقال :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً
[ الطّلاق : 5 ] وقال :
إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
[ الأنفال : 29 ] وقال :
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً
[ آل عمران : 120 ] وقال تعالى :
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً ( 160 ) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ
[ النّساء : 160 ، 161 ] وبالجملة : فالقرآن - من أوله إلى آخره - يبطل هذا المذهب ويرده ، كما تبطله العقول والفطر والحس . وقد قال بعض أهل العلم : الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد . ومحو الأسباب - أن تكون أسبابا - تغيير في وجه العقل . والإعراض عن الأسباب بالكلية : قدح في الشرع . والتوكل معنى يلتئم من معنى التوحيد والعقل والشرع . وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وتقييد . فالالتفات إلى الأسباب ضربان : أحدهما : شرك .
هامش
- رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : إن كان في بلد وأنتم بها فلا تخرجوا منها . وإن سمعتم به في بلد وأنتم خارجون عنها فلا تدخلوها » ومعنى قوله تعالى :وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ( 21 ) [ الحجر : 21 ] مثل قوله في الآية قبلها :وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ( 19 ) [ الحجر : 19 ] ومثل قوله :إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ[ القمر : 49 ] وقوله :وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ[ يس : 39 ] وقوله :وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ[ المزمل : 20 ] وقوله :قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً[ الطلاق : 3 ] وقوله :وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً[ الفرقان : 2 ] وقوله :مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( 18 ) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ( 19 ) [ عبس : 18 ، 19 ] وقوله :وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ[ المؤمنون : 18 ] وقوله :وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ[ الشورى : 7 ] والمعنى في كل ذلك واضح : أنه خلقه بنظام وترتيب جعلت فيه المسببات بقدر الأسباب . ولم يخلق شيئا أنفا بالمصادفة التي تشبه العبث سبحانه ، وبغير تقدير سابق في العلم والحكمة . فالمرض بقدر أسبابه والشفاء بقدر أسبابه . ومنها الدواء وقوة المزاج ، ولا شيء بالمصادفة ولا بالخلق الأنف ، كما يزعم الجاهليون الذين لا يعرفون اللّه بأسمائه وصفاته وبآثار علمه وحكمته ورحمته .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 953 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى