والمعاصي سببا لدخول النار . بل يدخل هؤلاء الجنة بمحض مشيئته من غير سبب ولا حكمة أصلا . ويدخل هؤلاء النار بمحض مشيئته من غير سبب ولا حكمة .
ولهذا قال صاحب المنازل « وهو أن لا يشهد في التوحيد دليلا ، ولا في التوكل سببا ، ولا في النجاة وسيلة » بل عندهم صدور الكائنات والأوامر والنواهي عن محض المشيئة الواحدة التي رجحت مثلا على مثل بغير مرجح . فعنها يصدر كل حادث . ويصدر مع الحادث حادث آخر مقترنا به اقترانا عاديا . لا أن أحدهما سبب الآخر ، ولا مرتبط به . فأحدهما مجرد علامة وأمارة على وجود الآخر . فإذا وجد أحد المقترنين وجد الآخر معه ، بطريق الاقتران العادي فقط . لا بطريق التسبب والاقتضاء . وهذا عندهم هو نهاية التوحيد وغاية المعرفة .
وطرد هذا المذهب : مفسد للدنيا والدين . بل ولسائر أديان الرسل . ولهذا لما طرده قوم أسقطوا الأسباب الدنيوية وعطلوها . وجعلوا وجودها كعدمها . ولم يمكنهم ذلك . فإنهم لا بد أن يأكلوا ويشربوا ، ويباشروا من الأسباب ما يدفع عنهم الحر والبرد والألم .
فإن قيل لهم : هلّا أسقطتم ذلك ؟ قالوا : لأجل الاقتران العادي .
فإن قيل لهم : هلّا قمتم بما أسقطتموه من الأسباب لأجل الاقتران العادي أيضا . فهذا المذهب قد فطر اللّه سبحانه الحيوان - ناطقه وأعجمه - على خلافه .
وقوم طردوه . فتركوا له الأسباب الأخروية . وقالوا : سبق العلم والحكم بالسعادة والشقاوة لا يتغير البتة . فسواء علينا الفعل والترك . فإن سبق العلم والحكم بالشقاوة فنحن أشقياء ، عملنا أو لم نعمل ، وإن سبق بالسعادة فنحن سعداء . عملنا أو لم نعمل .
ومنهم من يترك الدعاء جملة ، بناء على هذا الأصل ، ويقول : المدعو به إن سبق العلم والحكم بحصوله حصل ، دعونا أو لم ندع ، وإن سبق بعدم حصوله لم يحصل وإن دعونا .
قال شيخنا : وهذا الأصل الفاسد مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف وأئمة الدين ، بل ومخالف لصريح العقل والحس والمشاهدة . وقد سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن إسقاط الأسباب نظرا إلى القدر ؟ فرد ذلك . وألزم القيام بالأسباب . كما في الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ، ومقعده من النار . قالوا : يا رسول اللّه ، أفلا ندع العمل ونتّكل على الكتاب فقال : لا . اعملوا . فكلّ ميسّر لما خلق له » وفي الصحيح عنه أيضا أنه قيل له « يا رسول اللّه ، أرأيت ما يكدح الناس فيه اليوم ويعملون : أمر قضي عليهم ومضى ، أم فيما يستقبلون مما آتاهم فيه الحجة ؟ فقال : بل شيء قضى عليهم ومضى فيهم . قالوا : يا رسول اللّه ، أفلا ندع العمل ونتكل على كتابنا ؟ قال : لا . اعملوا . فكل ميسر لما خلق له » وفي السنن عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قيل له « أرأيت أدوية نتداوى بها ، ورقى نسترقي بها ، وتقاة نتقي بها ، هل ترد من قدر اللّه شيئا ؟
فقال : هي من قدر اللّه » وكذلك قول عمر لأبي عبيدة رضي اللّه عنهما ، وقد قال أبو عبيدة لعمر « أتفرّ من قدر اللّه ؟ - يعني من الطاعون - قال : أفرّ من قدر اللّه إلى قدر اللّه « 1 » .
هامش
( 1 ) وذلك في سفرة عمر إلى الشام . فكان طاعون عمواس . فرجع عمر . فقال له أبو عبيدة « أتفر من قدر اللّه ؟
فقال : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ؟ أفر من قدر اللّه إلى قدر اللّه . ثم نادى في الجيش : هل فيهم من سمع من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الطاعون شيئا ؟ فجاء عبد الرحمن بن عوف من أخريات الجيش . فقال : سمعت -