تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 951

مساهمون:

ص٩٥١

توحيد الخاصة

قال « وأما التوحيد الثاني ، الذي يثبت بالحقائق : فهو توحيد الخاصة . وهو إسقاط الأسباب الظاهرة ، والصعود عن منازعات العقول ، وعن التعلق بالشواهد . وهو أن لا يشهد في التوحيد دليلا . ولا في التوكل سببا . ولا في النجاة وسيلة . فيكون مشاهدا سبق الحق بحكمه وعلمه ، ووضعه الأشياء مواضعها وتعليقه إياها بأحايينها ، وإخفائه إياها في رسومها ، وتحقق معرفة العلل . ويسلك سبيل إسقاط الحدث . هذا توحيد الخاصة . الذي يصح بعلم الفناء . ويصفو في علم الجمع . ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع » . قوله « يثبت بالحقائق » وقال في التوحيد الأول « يصح بالشواهد » فإن الثبوت أبلغ من الصحة . و « الحقائق » أبلغ من « الشواهد » ويريد بالحقائق : المكاشفة والمشاهدة ، والمعاينة ، والاتصال والانفصال ، والحياة ، والقبض والبسط . وما ذكره من قسم الحقائق من كتابه . وبالأدلة والشواهد يصح التوحيد العام . وبالحقائق يثبت التوحيد الخاص . قوله « وهو إسقاط الأسباب الظاهرة » يحتمل أن يريد بها : الأسباب المشاهدة التي تظهر لنا . وإسقاطها : هو أن لا يرى لها تأثيرا البتة ، ولا تغييرا ، وإن باشرها بحكم الارتباط العادي . فمباشرتها لا تنافي إسقاطها . ويحتمل أن يريد بالأسباب الظاهرة : الحركات والأعمال . وإسقاطها : عزلها عن اقتضائها السعادة والنجاة ، لا إهمالها وتعطيلها . فإن ذلك كفر ، وانسلاخ من الإسلام بالكلية . ولكن يقوم بها وقد عزلها عن ولاية النجاح والنجاة . كما قال صلى اللّه عليه وسلم « اعملوا . واعلموا أن أحدا منكم لن ينجيه عمله » . واحترز بالأسباب الظاهرة من الأسباب الباطنة ، كالإيمان ، والتصديق ، ومحبة اللّه ورسوله . فإن النجاة والسعادة معلقة بها . بل التوحيد نفسه من الأسباب . بل هو أعظم الأسباب الباطنة . فلا يجوز إسقاطه . وعلى التقديرين : فهو غير مخلص . فإذا أريد بالإسقاط : التعطيل والإهمال : فمن أبطل الباطل . وإن أريد : العزل عن ولاية الاقتضاء ، وإسناد الحكم إلى مشيئة الرب وحده : فلا فرق بين الأسباب الظاهرة والباطنة . وإن أريد : الأسباب التي لم يؤمر بها العبد . فليس إسقاطها من توحيد اللّه في شيء ، ولا القيام بها مبطلا له ولا منقصا . وبالجملة : فليس إسقاط الأسباب من التوحيد . بل القيام بها واعتبارها وإنزالها في منازلها التي أنزلها اللّه فيها : هو محض التوحيد والعبودية . والقول بإسقاط الأسباب : هو توحيد القدرية الجبرية ، أتباع جهم بن صفوان في الجبر . فإنه كان غاليا فيه . وعندهم أن اللّه لم يخلق شيئا بسبب ، ولا جعل في الأسباب قوى وطبائع تؤثر . فليس في النار قوة الإحراق . ولا في السم قوة الإهلاك . ولا في الماء والخبز قوة الري والتغذي به ، ولا في العين قوة الإبصار ، ولا في الأذن والأنف قوة السمع والشم . بل اللّه سبحانه يحدث هذه الآثار عند ملاقاة هذه الأجسام ، لا بها . فليس الشبع بالأكل ، ولا الري بالشرب ، ولا العلم بالاستدلال ، ولا الانكسار بالكسر ، ولا الإزهاق بالذبح ، ولا الطاعات والتوحيد سببا لدخول الجنة والنجاة من النار ، ولا الشرك والكفر