تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 950

مساهمون:

ص٩٥٠
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
[ فصّلت : 17 ] فهو - سبحانه - بصّرهم . فآثروا الضلال على الهدى « 1 » . وقال تعالى :
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ
« 2 » [ العنكبوت : 38 ] وقال تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ
[ التّوبة : 115 ] وقال تعالى عن قوم فرعون :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
[ النّمل : 14 ] فهذا التبصير لم يوجب وجود الهداية . لأنه سبحانه لم يرد وجودها « 3 » وإنما أراد وجود مجرد البصيرة . فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن . وأما التبصير التام : فإنه يستلزم وجود الهداية . وهو الذي أمرنا أن نسأله إياه في كل صلاة . وقال فيه أهل الجنة :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ
[ الأعراف : 43 ] وقال تعالى :
وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( 25 ) [ يونس : 25 ] فعمّ بدعوته البيان والدلالة . وخص بهدايته التوفيق والإلهام . فلو قال الشيخ « ويوجد بتوفيق اللّه بعد تبصيره » لكان أحسن . ولعله هو مراده . واللّه أعلم . المسألة الثالثة : قوله « وينمو على مشاهدة الشواهد » وهذا أيضا يحتاج إلى أمر آخر ، وهو الإجابة لداعي الحق . فلا يكفي مجرد مشاهدة الشواهد في نموه
وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ
( 105 ) [ يوسف : 105 ] يمر عليها العبد ولا ينمو بها ولا يزيد . بل ينقص إيمانه وتوحيده . فإذا أجاب الداعي وتبصّر في الشواهد نما توحيده ، وقوي إيمانه . وقال تعالى :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ
( 17 ) [ محمّد : 17 ] وقال تعالى :
وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً
[ مريم : 76 ] وقال تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً
[ التّوبة : 124 ] . وقد تضمن كلام الشيخ ما دلت عليه النصوص ، واتفق عليه الصحابة والتابعون : أن الإيمان والتوحيد ينموان ويتزايدان . وهذا من أعظم أصول أهل السنة الذي فارقوا به الجهمية والمرجئة .
هامش
( 1 ) هدى اللّه ثمودا وغيرهم من بني آدم هدى الفطرة الذي ذكره في عدة مواضع من القرآن . مثل قوله :إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ( 2 ) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً( 3 ) [ الإنسان : 2 - 3 ] وقوله :أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ( 8 ) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ ( 9 ) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ( 10 ) [ البلد : 9 ، 10 ] وفي قوله :وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ- الآيات إلى قوله : -مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي[ الأعراف : 172 ، 178 ] مع التدبير والفهم ، وربط الآيات مع أخواتها . ( 2 ) قال مجاهد : وكانوا مستبصرين في ضلالهم معجبين بها . واختاره ابن جرير ، وزاد عليه : يحسبون أنهم على هدى وصواب ، وهم على الضلال . والأصل في « الاستبصار » : طلب البصر أو بالبصيرة . ولا حجة فيه على اجتماع الضلال مع تبصير اللّه ، بفرض نقص البصيرة . وإنما كمال الدين بالصيرة . قال اللّهقُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ[ يوسف : 108 ] . ( 3 ) لا زاغوا - بالتقليد الأعمى - عن هدى الفطرة ، ففسقوا وخرجوا عن سنن اللّه ومقتضى أسمائه الحسنى . واللّه يقول :فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ[ الصف : 5 ] .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 950 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى