تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 949

مساهمون:

ص٩٤٩
شيئا . وهذا إنما يكون في حق من خرج عن موجب العقل الصريح والفطرة الصحيحة . ولو لم يكن في صريح العقل ما يدل على ذلك لم يكن في قوله تعالى :
« فَانْظُروا » *
و
« فَاعْتَبِرُوا »
و
« فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ، فَانْظُروا » *
فائدة . فإنهم يقولون : عقولنا لا تدل على ذلك . وإنما هو مجرد إخبارك . فما هذا النظر والتفكر والاعتبار والسير في الأرض ؟ وما هذه الأمثال المضروبة . والأقيسة العقلية والشواهد العيانية ؟ أفليس في ذلك أظهر دليل على حسن التوحيد والشكر ؟ . وقبح الشرك والكفر مستقر في العقول والفطر . معلوم لمن كان له قلب حي ، وعقل سليم ، وفطرة صحيحة ؟ قال تعالى :
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
( 27 ) [ الزّمر : 27 ] وقال تعالى :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
( 43 ) [ العنكبوت : 43 ] وقال تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
( 37 ) [ ق : 37 ] وقال تعالى :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
( 46 ) [ الحجّ : 46 ] وقال تعالى :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
[ البقرة : 219 ] وقال تعالى :
قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ
( 101 ) [ يونس : 101 ] وقال تعالى :
وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
[ إبراهيم : 25 ] . ومن بعض الأدلة العقلية : ما أبقاه اللّه تعالى من آثار عقوبات أهل الشرك وآثار ديارهم ، وما حل بهم ، وما أبقاه من نصر أهل التوحيد وإعزازهم . وجعل العاقبة لهم . قال تعالى :
وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ
[ العنكبوت : 38 ] وقال في ثمود :
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 52 ) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ
( 53 ) [ النّمل : 52 ، 53 ] وقال تعالى في قوم لوط :
إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 34 ) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
( 35 ) [ العنكبوت : 34 ، 35 ] وقال تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ( 75 ) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ( 76 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ( 77 ) وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ ( 78 ) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ
[ الحجر : 75 - 79 ] وقال تعالى في قوم لوط
وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ( 137 ) وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
( 138 ) [ الصّافات : 137 ، 138 ] وهو سبحانه يذكر في سورة الشعراء ما أوقع بالمشركين من أنواع العقوبات ، ويذكر إنجاءه لأهل التوحيد . ثم يقول :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 158 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
( 159 ) [ الشّعراء : 158 ، 159 ] فيذكر شرك هؤلاء الذين استحقوا به الهلاك ، وتوحيد هؤلاء الذين استحقوا به النجاة . ثم يخبر أن في ذلك آية وبرهانا للمؤمنين ، ثم يذكر مصدر ذلك كله ، وأنه عن أسمائه وصفاته . فصدور هذا الإهلاك عن عزته . وذلك الإنجاء عن رحمته . ثم يقرر في آخر السورة نبوة رسوله بالأدلة العقلية أحسن تقرير . ويجيب عن شبه المكذبين له أحسن جواب . وكذلك تقريره للمعاد بالأدلة العقلية والحسية . فضرب الأمثال والأقيسة ، فدلالة القرآن سمعية عقلية . المسألة الثانية : قوله : « ويوجد بتبصير الحق » وجوب الشيء شرعا لا يستلزم وجوده حسا . فلذلك ذكر ما يوجد به بعد ذكر ما يجب به . وهو تبصير الحق تعالى . ومراده : التبصير التام الذي لا تختلف عنه الهداية ، وإلا فقد يبصر العبد الحق ولا توجد منه الهداية . كما قال تعالى :