( 131 ) [ الأنعام : 131 ] فهذا يدل على أنهم ظالمون قبل إرسال الرسل . وأنه لا يهلكهم بهذا الظلم قبل إقامة الحجة عليهم . فالآية رد على الطائفتين معا ، من يقول : إنه لا يثبت الظلم والقبح إلا بالسمع ، ومن يقول : إنهم معذبون على ظلمهم بدون السمع . فالقرآن يبطل قول هؤلاء وقول هؤلاء . كما قال تعالى :
وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
( 47 ) [ القصص : 47 ] فأخبر : أن ما قدمت أيديهم قبل إرسال الرسل سبب لإصابتهم بالمصيبة . ولكن لم يفعل سبحانه ذلك قبل إرسال الرسول الذي يقيم به حجته عليهم ، كما قال تعالى :
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
[ النّساء : 165 ] وقال تعالى :
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 155 ) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ ( 156 ) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ
[ الأنعام : 155 ، 157 ] وقوله :
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ( 56 ) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 57 ) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 58 ) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ
( 59 ) [ الزّمر : الآيات 56 - 59 ] وهذا في القرآن كثير . يخبر أن الحجة إنما قامت عليهم بكتابه ورسوله ، كما نبههم بما في عقولهم وفطرهم : من حسن التوحيد والشكر ، وقبح الشرك والكفر .
وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة في كتاب « مفتاح دار السعادة » وذكرنا هناك نحوا من ستين وجها . تبطل قول من نفى القبح العقلي ، وزعم أنه ليس في الأفعال ما يقتضي حسنها ولا قبحها . وأنه يجوز أن يأمر اللّه بعين ما نهى عنه . وينهى عن عين ما أمر به . وأن ذلك جائز عليه .
وإنما الفرق بين المأمور والمنهي بمجرد الأمر والنهي ، لا بحسن هذا وقبح هذا . وأنه لو نهى عن التوحيد والإيمان والشكر لكان قبيحا . ولو أمر بالشرك والكفر والظلم والفواحش لكان حسنا . وبينا أن هذا القول مخالف للعقول والفطر ، والقرآن والسنة .
والمقصود : الكلام على قول الشيخ « ويجب بالسمع » وأن الصواب وجوبه بالسمع والعقل .
وإن اختلفت جهة الإيجاب . فالعقل يوجبه : بمعنى اقتضائه لفعله ، وذمه على تركه ، وتقبيحه لضده . والسمع يوجبه بهذا المعنى . ويزيد : إثبات العقاب على تركه ، والإخبار عن مقت الرب تعالى لتاركه ، وبغضه له . وهذا قد يعلم بالعقل . فإنه إذا تقرر قبح الشيء وفحشه بالعقل ، وعلم ثبوت كمال الرب جل جلاله بالعقل أيضا ؛ اقتضى ثبوت هذين الأمرين : علم العقل بمقت الرب تعالى لمرتكبه . وأما تفاصيل العقاب ، وما يوجبه مقت الرب منه : فإنما يعلم بالسمع .
واعلم أنه إن لم يكن حسن التوحيد وقبح الشرك معلوما بالعقل ، مستقرا في الفطر ، فلا وثوق بشيء من قضايا العقل . فإن هذه القضية من أجل القضايا البديهيات ، وأوضح ما ركب اللّه في العقول والفطر . ولهذا يقول سبحانه عقيب تقرير ذلك
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
[ الصّافات : 138 ]
أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
[ يونس : 3 ] وينفي العقل عن أهل الشرك ، ويخبر عنهم بأنهم يعترفون في النار : أنهم لم يكونوا يسمعون ولا يعقلون . وأنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل ، وأخبر عنهم : أنهم
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
[ البقرة : 171 ] وأخبر عنهم أن سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغن عنهم