تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 947

مساهمون:

ص٩٤٧
شهادة تواطأ عليها القلب واللسان . فصحت شهادتهم بقبول قلوبهم لها ، واعتقادهم صحتها ، والجزم بها ، بخلاف شهادة المنافق التي لم يقبلها قلبه . ولم يواطئ عليها لسانه . قوله « وهو توحيد العامة الذي يصح بالشواهد » قد عرفت أن هذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل ، ونزلت به الكتب ، واتفقت عليه الشرائع ، ثم بين مراده بالشواهد أنها « الرسالة والصنائع » فقال « والشواهد : الأدلة على التوحيد ، والرسالة ، أرشدت إليها ، وعرفت بها » ومقصوده : أن الشواهد نوعان : آيات متلوة . وهي الرسالة ، وآيات مرثية . وهي الصنائع . قوله « ويجب بالسمع . ويوجد بتبصير الحق . وينمو على مشاهد الشواهد » . هذه ثلاث مسائل : إحداها : ما يجب به . والثانية : ما يوجد به . والثالثة : ما ينمو به . فأما المسألة الأولى : فاختلف فيها الناس . فقالت طائفة : يجب بالعقل . ويعاقب على تركه . والسمع مقرر لما وجب بالعقل مؤكد له . فجعلوا وجوبه والعقاب على تركه ثابتين بالعقل . والسمع مبين ومقرر للوجوب والعقاب . وهذا قول المعتزلة ومن وافقهم من أتباع الأئمة في مسألة التحسين والتقبيح العقليين . وقالت طائفة : لا يثبت بالعقل . لا هذا ولا هذا . بل لا يجب بالعقل فيها شيء . وإنما الوجوب بالشرع . ولذلك لا يستحق العقاب على تركه . وهذا قول الأشعرية ومن وافقهم على نفي التحسين والتقبيح . والقولان لأصحاب أحمد والشافعي وأبي حنيفة . والحق : إن وجوبه ثابت بالعقل والسمع ، والقرآن على هذا يدل . فإنه يذكر الأدلة والبراهين العقلية على التوحيد . ويبين حسنه وقبح الشرك عقلا وفطرة . ويأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك . ولهذا ضرب اللّه سبحانه الأمثال وهي الأدلة العقلية . وخاطب العباد بذلك خطاب من استقر في عقولهم وفطرهم حسن التوحيد ووجوبه . وقبح الشرك وذمه . والقرآن مملوء بالبراهين العقلية الدالة على ذلك . كقوله :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
[ الزمر : 29 ] وقوله :
* ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ النحل : 75 - 76 ] وقوله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ( 73 ) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
[ الحج : 73 و 74 ] إلى أضعاف ذلك من براهين التوحيد العقلية التي أرشد إليها القرآن ونبه عليها . ولكن ها هنا أمر آخر . وهو أن العقاب على ترك هذا الواجب يتأخر إلى حين ورود الشرع . كما دل عليه قوله تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الإسراء : 15 ] وقوله :
كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ( 8 ) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا
[ الملك : 8 ، 9 ] وقوله :
وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ
( 59 ) [ القصص : 59 ] وقوله :
ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ