وقوله « المتوكل - وإن رفض الأسباب - واقف مع توكله » .
فيقال : إن وقف مع توكله امتثالا لأمر اللّه ، وأداء لحق عبوديته ، معتقدا : أن اللّه هو الذي منّ عليه بالتوكل وأقامه فيه . وجعله سببا موصلا له إلى مطلوبه فنعم الوقوف وقف . وما أحسنه من وقوف ! وإن وقف معه اعتقادا أن بنفس توكله وعمله يصل ، مع قطع النظر عن فضل ربه وإعانته ، ومنّه عليه بالتوكل : فهو وقوف منقطع عن اللّه .
وقوله « إن التوكل بدل من الأسباب التي رفضها . فالمتوكل متنقل من سبب إلى سبب » يقال له : إن كانت الأسباب التي رفضها غير مأمور بها . فالتوكل المجرد خير منها . وإن كانت مأمورا بها . فرفضه لها إلى التوكل معصية وخروج عن الأمر .
نعم للتوكل ثلاث علل العلة الأولى إحداها : أن يترك ما أمر به من الأسباب ، استغناء بالتوكل عنها . فهذا توكل عجز وتفريط وإضاعة . لا توكل عبودية وتوحيد . كمن يترك الأعمال التي هي سبب النجاة ، ويتوكل في حصولها . ويترك القيام بأسباب الرزق - من العمل والحراثة والتجارة ونحوها - ويتوكل في حصوله . ويترك طلب العلم ، ويتوكل في حصوله . فهذا توكله عجز وتفريط . كما قال بعض السلف : لا تكن ممن يجعل توكله عجزا . وعجزه توكلا .
العلة الثانية : أن يتوكل في حظوظه وشهواته دون حقوق ربه . كمن يتوكل في حصول مال أو زوجة أو رياسة . وأما التوكل في نصرة دين اللّه ، وإعلاء كلمته وإظهار سنة رسوله ، وجهاد أعدائه : فليس فيه علة . بل هو مزيل للعلل .
العلة الثالثة : أن يرى توكله منه . ويغيب بذلك عن مطالعة المنة وشهود الفضل ، وإقامة اللّه له في مقام التوكل . وليس مجرد رؤية التوكل علة ، كما يظنه كثير من الناس . بل رؤية التوكل ، وأنه من عين الجود ، ومحض المنّة ، ومجرد التوفيق : عبودية . وهي أكمل من كونه يغيب عنه ولا يراه . فالأكمل : أن لا يغيب بفضل ربه عنه ، ولا به عن شهود فضله . كما تقدم بيانه .
فهذه العلل الثلاث هي التي تعرض في مقام التوكل وغيره من المقامات . وهي التي يعمل العارفون باللّه وأمره على قطعها . وهكذا الكلام في سائر علل المقامات . وإنما ذكرنا هذا مثالا لما يذكر من عللها . وقد أفرد لها صاحب المنازل مصنفا لطيفا . وجعل غالبها معلولا .
والصواب : أن عللها هذه الثلاثة المذكورة ، أن يترك بها ما هو أعلى منها . وأن يعلقها بحظه ، والانقطاع بها عن المقصود . وأن لا يراها من عين المنة ومحض الجود . وباللّه التوفيق .
التوحيد على ثلاثة أوجه
قوله « والتوحيد على ثلاثة أوجه . الوجه الأول : توحيد العامة ، الذي يصح بالشواهد .
والوجه الثاني : توحيد الخاصة . وهو الذي يثبت بالحقائق . والوجه الثالث : توحيد قائم بالقدم .
وهو توحيد خاصة الخاصة » .
فيقال : لا ريب أن أهل التوحيد يتفاوتون في توحيدهم - علما ومعرفة وحالا - تفاوتا لا يحصيه إلا اللّه . فأكمل الناس توحيدا : الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم . والمرسلون منهم أكمل في ذلك . وأولو العزم من الرسل أكمل توحيدا . وهم نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، ومحمد .
صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين وأكملهم توحيدا الخليلان محمد وإبراهيم صلوات اللّه