تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 945

مساهمون:

ص٩٤٥
وهذا في القرآن كثير . بل هو أكثر من أن يذكر . وهو أول الدين وآخره وباطنه وظاهره ، وذروة سنامه ، وقطب رحاه ، وأمرنا تعالى أن نتأسى بإمام هذا التوحيد في نفيه وإثباته ، كما قال تعالى :
قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ
[ الممتحنة : 4 ] وقال تعالى :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ( 26 ) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ
( 27 ) [ الزّخرف : 26 ، 27 ] وقال تعالى :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ ( 69 ) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ ( 70 ) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ ( 71 ) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ( 72 ) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ( 73 ) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ ( 74 ) قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 75 ) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ( 76 ) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ ( 77 ) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 ) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ( 81 ) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
[ الشّعراء : 69 - 82 ] وإذا تدبرت القرآن - من أوله إلى آخره - رأيته يدور على هذا التوحيد ، وتقريره وحقوقه . قال شيخنا : والخليلان هم أكمل خاصة الخاصة توحيدا . ولا يجوز أن يكون في الأمة من هو أكمل توحيدا من نبي من الأنبياء . فضلا عن الرسل ، فضلا عن أولي العزم ، فضلا عن الخليلين . وكمال هذا التوحيد : هو أن لا يبقى في القلب شيء لغير اللّه أصلا . بل يبقى العبد مواليا لربه في كل شيء . يحب من أحب وما أحب ، ويبغض من أبغض وما أبغض ، ويوالي من يوالي ، ويعادي من يعادي ، ويأمر بما يأمر به ، وينهى عما نهى عنه .

توحيد العامة

قوله « وهذا توحيد العامة ، الذي يصح بالشواهد » . قد تبين أن هذا توحيد خاصة الخاصة ، الذي لا شيء فوقه ، ولا أخص منه ، وأن الخليلين أكمل الناس فيه توحيدا ، فليهن العامة نصيبهم منه . قوله « يصح بالشواهد » أي بالأدلة والآيات والبراهين . وهذا مما دل على كماله وشرفه : أن قامت عليه الأدلة ، ونادت عليه الشواهد ، وأوضحته الآيات والبراهين . وما عداه فدعاوي مجردة لا يقوم عليها دليل ، ولا تصح بشاهد . فكل توحيد لا يصح بشاهد فليس بتوحيد . فلا يجوز أن يكون توحيد أكمل من التوحيد الذي يصح بالشواهد ، والآيات . وتوحيد القرآن من أوله إلى آخره كذلك . قوله « هذا هو التوحيد الظاهر الجلي . الذي نفى الشرك الأعظم » . فنعم لعمر اللّه ، ولظهوره وجلائه أرسل اللّه به رسله ، وأنزل به كتبه ، وأمر اللّه به الأولين والآخرين من عباده . وأما الرمز والإشارة والتعقيد ، الذي لا يكاد أن يفهمه أحد من الناس إلا بجهد وكلفة : فليس مما جاءت به الرسل . ولا دعوا إليه . فظهور هذا التوحيد وانجلاؤه ووضوحه وشهادة الفطر والعقول به : من أعظم الأدلة أنه أعلى مراتب التوحيد ، وذروة سنامه . ولذلك قوي على نفي الشرك الأعظم . فإن الشيء كلما عظم لا يدفعه إلا العظيم . فلو كان شيء أعظم من هذا التوحيد لدفع اللّه به الشرك الأعظم . ولعظمته وشرفه : نصبت عليه القبلة وأسست عليه