دين الأنبياء من أولهم إلى آخرهم . ليس للّه دين سواه :
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ
( 85 ) [ آل عمران : 85 ] .
وقد دل قوله
« إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ »
على أنه دين جميع أنبيائه ورسله وأتباعهم من أولهم إلى آخرهم ، وأنه لم يكن للّه قط ولا يكون له دين سواه . قال أول الرسل نوح :
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
( 72 ) [ يونس : 72 ] وقال إبراهيم وإسماعيل
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
[ البقرة : 128 ]
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
( 132 ) [ البقرة : 132 ] وقال يعقوب لبنيه عند الموت :
ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
[ البقرة : 133 ] وقال موسى لقومه
إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ
[ يونس : 84 ] وقال تعالى :
* فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
( 52 ) [ آل عمران : 52 ] وقالت ملكة سبإ
رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ النّمل : 44 ] .
فالإسلام دين أهل السماوات ، ودين أهل التوحيد من أهل الأرض . لا يقبل اللّه من أحد دينا سواه . فأديان أهل الأرض ستة : واحد للرحمن ، وخمسة للشيطان . فدين الرحمن : هو الإسلام . والتي للشيطان : اليهودية . والنصرانية ، والمجوسية . والصابئة . ودين المشركين .
فهذا بعض ما تضمنته هذه الآية العظيمة من أسرار التوحيد والمعارف . ولا تستطل الكلام فيها . فإنه أهم من الكلام على كلام صاحب المنازل . فلنرجع إلى شرح كلامه وبيان ما فيه .
قال « وإنما نطق العلماء بما نطقوا به . وأشار المحققون إلى ما أشاروا إليه من هذا الطريق : لقصد تصحيح التوحيد . وما سواه - من حال أو مقام - : فكله مصحوب العلل » .
يريد : أن « التوحيد » هو الغاية المطلوبة من جميع المقامات والأعمال والأحوال . فغايتها كلها التوحيد . وإنما كلام العلماء والمحققين من أهل السلوك كله لقصد تصحيحه . وهذا بيّن من أول المقامات إلى آخرها . فإنها تشير إلى تصحيحه وتجريده .
وقوله « وما سواه - من حال أو مقام - فكله مصحوب العلل » يريد : أن تجريد التوحيد لا علة معه . إذ لو كان معه علة تصحبه لم يجرد . فتجرده ينفي عنه العلل بالكلية ، بخلاف ما سواه من المقامات والأحوال . فإن العلل تصحبها . وعندهم : أن علل المقامات لا تزول بتجريد التوحيد . مثاله : أن علة « مقام التوكل » أن يشهد متوكّلا ومتوكّلا عليه ، ومتوكلا فيه . ويشهد نفس توكله . وهذا كله علة في مقام التوكل . فإنه لا يصح له مقامه إلا بأن لا يشهد مع الوكيل الحق الذي يتوكل عليه غيره . ولا يرى توكله عليه سببا لحصول المطلوب ، ولا وسيلة إليه .
وفيه علة أخرى أدق من هذه عند أرباب الفناء . وهي : أن المتوكل قد وكل أمره إلى مولاه ، والتجأ إلى كفايته وتدبيره له ، والقيام بمصالحه . قالوا : وهذا في طريق الخاصة عمى عن التوحيد ورجوع إلى الأسباب . لأن الموحد قد رفض الأسباب . ووقف مع المسبب وحده .
والمتوكل - وإن رفض الأسباب - فإنه واقف مع توكله . فصار توكله بدلا من تلك الأسباب التي رفضها . فهو متعلق بما رفضه .