وتجريد التوكل عندهم وحقيقته : هو تخليص القلب من علة التوكل . وهو أن يعلم أن اللّه سبحانه فرغ من الأسباب وقدّرها . وهو سبحانه يسوق المقادير إلى المواقيت . فالمتوكل حقيقة - عندهم - هو من أراح نفسه من كدّ النظر ، ومطالعة السبب ، سكونا إلى ما سبق له من القسم ، مع استواء الحالين عنده . وهو أن يعلم : أن الطلب لا ينفع . والتوكل لا يجمع . ومتى طالع بتوكله عرضا كان توكله مدخولا ، وقصده معلولا . فإذا خلص من رقّ هذه الأسباب ، ومطالعة العوارض . ولم يلاحظ في توكله سوى خالص حق الرب سبحانه : كفاه تعالى كل مهم ، كما أوحى اللّه تعالى إلى موسى « كن لي كما أريد ، أكن لك كما تريد » .
وهذا الكلام وأمثاله بعضه صواب . وبعضه خطأ . وبعضه محتمل .
فقوله « إن التوكل في طريق الخاصة عمى عن التوحيد ، ورجوع إلى الأسباب » خطأ محض ، بل التوكل : حقيقة التوحيد . ولا يتم التوحيد إلا به . وقد تقدم في « باب التوكل » بيان ذلك . وأنه من مقامات الرسل . وهم خاصة الخاصة . وإنما المتحذلقون المتنطعون جعلوه من مقامات العامة . ولا أخص ممن أرسل اللّه واصطفى . ولا أعلى من مقاماتهم .
وقوله « إنه رجوع إلى الأسباب » يقال : بل هو قيام بحق الأمر . فإن اللّه سبحانه اقتضت حكمته ربط المسببات بأسبابها . وجعل التوكل والدعاء من أقرب الأسباب التي تحصل المقصود . فالتوكل امتثال لأمر اللّه ، وموافقة لحكمته ، وعبودية القلب له . فكيف يكون مصحوب العلل ؟ وكيف يكون من مقامات العامة ؟ .
وقوله « لأن الموحد قد رفض الأسباب كلها » يقال له : هذا الرفض لا يخرج عن الكفر تارة ، والفسق تارة ، والتقصير تارة . فإن اللّه أمر بالقيام بالأسباب . فمن رفض ما أمره اللّه أن يقوم به فقد ضادّ اللّه في أمره ، وكيف يحل لمسلم أن يرفض الأسباب كلها ؟ .
فإن قلت : ليس المراد رفض القيام بها . وإنما المراد : رفض الوقوف معها .
قلت : وهذا أيضا غير مستقيم ، فإن الوقوف مع الأسباب قسمان :
وقوف مأمور به مطلوب . وهو أن يقف معها حيث أوقفه اللّه ورسوله . فلا يتعدى حدودها .
ولا يقصر عنها . فيقف معها مراعاة لحدودها وأوقاتها وشرائطها . وهذا الوقوف لا تتم العبودية إلا به .
ووقوف معها . بحيث يعتقد أنها هي الفاعلة المؤثرة بنفسها . وأنها تنفع وتضر بذاتها . فهذا لا يعتقده موحد . ولا يحتاج أن يحترز منه من يتكلم في المعرفة والسلوك . نعم ، لا ينقطع بها عن رؤية المسبب . ويعتقدها هي الغاية المطلوبة منه ، بل هي وسيلة توصل إلى الغاية ، ولا تصل إلى الغاية المطلوبة بدونها . فهذا حق . لكن لا يجامع رفضها والإعراض عنها . بل يقوم بها ، معتقدا : أنها وسيلة موصلة إلى الغاية . فهي كالطريق الحسي الذي يقطعه المسافر إلى مقصده .
فإن قيل له : ارفض الطريق ، ولا تلتفت إليها : انقطع عن المسير بالكلية . وإن جعلها غايته ، ولم يقصد بالسير فيها وصوله إلى مقصد معين : كان معرضا عن الغاية ، مشتغلا بالطريق . وإن قيل له : التفت إلى طريقك ومنازل سيرك ، وراعها وسر فيها ناظرا إلى المقصود ، عاملا على الوصول إليه فهذا هو الحق .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 941
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٩٤١