تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 943

مساهمون:

ص٩٤٣
وسلامه عليهما . فإنهما قاما من التوحيد بما لم يقم به غيرهما - علما ومعرفة وحالا ، ودعوة للخلق وجهادا - فلا توحيد أكمل من الذي قامت به الرسل ، ودعوا إليه ، وجاهدوا الأمم عليه . ولهذا أمر اللّه سبحانه نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يقتدي بهم فيه . كما قال سبحانه - بعد ذكر إبراهيم ومناظرته أباه وقومه في بطلان الشرك وصحة التوحيد ، وذكر الأنبياء من ذريته - ثم قال :
أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ( 89 ) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
[ الأنعام : 89 ، 90 ] فلا أكمل من توحيد من أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يقتدي بهم . ولما قاموا بحقيقته - علما وعملا ودعوة وجهادا - جعلهم اللّه أئمة للخلائق يهدون بأمره . ويدعون إليه . وجعل الخلائق تبعا لهم يأتمون بأمرهم . وينتهون إلى ما وقفوا بهم عنده . وخص بالسعادة والفلاح والهدى أتباعهم . وبالشقاء والضلال مخالفيهم . وقال لإمامهم وشيخهم إبراهيم خليله
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
[ البقرة : 124 ] أي لا ينال عهدي بالإمامة مشرك . ولهذا أوصى نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم أن يتبع ملة إبراهيم . وكان يعلّم أصحابه ، إذا أصبحوا : أن يقولوا « أصبحنا على فطرة الإسلام ، وكلمة الإخلاص ، ودين نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وملّة أبينا إبراهيم ، حنيفا مسلما . وما كان من المشركين » فملة إبراهيم : التوحيد ، ودين محمد : ما جاء به من عند اللّه قولا وعملا واعتقادا . وكلمة الإخلاص : هي شهادة أن لا إله إلا اللّه . وفطرة الإسلام : هي ما فطر اللّه عليه عباده من محبته وعبادته وحده لا شريك له والاستسلام له عبودية وذلا ، وانقيادا وإنابة . فهذا هو توحيد خاصة الخاصة الذي من رغب عنه فهو من أسفه السفهاء . قال تعالى :
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 130 ) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
( 131 ) [ البقرة : 130 ، 131 ] . فقسم سبحانه الخلائق قسمين : سفيها لا أسفه منه . ورشيدا . فالسفيه : من رغب عن ملته إلى الشرك . والرشيد : من تبرأ من الشرك قولا وعملا وحالا . فكان قوله توحيدا وعمله توحيدا وحاله توحيدا ، ودعوته إلى التوحيد . وبهذا أمر اللّه سبحانه جميع المرسلين - من أولهم إلى آخرهم - قال تعالى :
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 51 ) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ
( 52 ) [ المؤمنون : 51 ، 52 ] وقال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ
( 25 ) [ الأنبياء : 25 ] وقال تعالى :
وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ
( 45 ) [ الزّخرف : 45 ] وقال تعالى :
أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ( 21 ) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 22 ) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ( 23 ) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي
[ الأنبياء : 21 - 24 ] أي هذا الكتاب الذي أنزل عليّ . وهذه كتب الأنبياء كلهم : هل وجدتم في شيء منها اتخاذ آلهة مع اللّه ؟ أم كلها ناطقة بالتوحيد آمرة به ؟ وقال تعالى :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
[ النّحل : 36 ] و « الطاغوت » اسم لكل ما عبدوه من دون اللّه . فكل مشرك إلهه طاغوته . وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية على ما ذكره صاحب المنازل في التوحيد فقال - بعد أن