تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 939

مساهمون:

ص٩٣٩
قوله تعالى :
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
[ آل عمران : 19 ] اختلف المفسرون : هل هو كلام مستأنف ، أو داخل في مضمون هذه الشهادة ؟ فهو بعض المشهود به . وهذا الاختلاف مبني على القراءتين في كسر « إن » وفتحها . فالأكثرون على كسرها على الاستئناف . وفتحها الكسائي وحده . والوجه : هو الكسر . لأن الكلام الذي قبله قد تم . فالجملة الثانية مقررة مؤكدة لمضمون ما قبلها . وهذا أبلغ في التقرير ، وأذهب في المدح والثناء . ولهذا كان كسر
إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ
( 28 ) [ الطّور : 28 ] أحسن من الفتح . وكان الكسر في قول الملبي « لبيك . إن الحمد والنعمة لك » أحسن من الفتح . وقد ذكر في توجيه قراءة الكسائي ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون الشهادة واقعة على الجملتين ، فهي واقعة على
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
[ آل عمران : 19 ] وهو المشهود به . ويكون فتح « أنه » من قوله :
أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
[ آل عمران : 18 ] على إسقاط حرف الجر ، أي بأنه لا إله إلا هو . وهذا توجيه الفراء ، وهو ضعيف جدا . فإن المعنى على خلافه . وأن المشهود به هو نفس قوله
« أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
فالمشهود به « أن » وما في حيزها ، والعناية إلى هذا صرفت . وبه حصلت . ولكن لهذا القول - مع ضعفه - وجه ، وهو : أن يكون المعنى : شهد اللّه بتوحيده ، أن الدين عند اللّه الإسلام . والإسلام : هو توحيده سبحانه ، فتضمنت الشهادة توحيده ، وتحقيق دينه : أنه الإسلام لا غيره . الوجه الثاني : أن تكون الشهادة واقعة على الجملتين معا ، كلاهما مشهود به على تقدير حذف الواو وإرادتها . والتقدير : وأن الدين عنده الإسلام . فتكون جملة استغنى فيها عن حرف العطف بما تضمنت من ذكر المعطوف عليه . كما وقع الاستغناء عنها في قوله :
ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ
[ الكهف : 22 ] فيحسن ذكر الواو وحذفها ، كما حذفت هنا . وذكرت في قوله :
وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ
[ الكهف : 22 ] . الوجه الثالث - وهو مذهب البصريين - : أن يجعل « أن » الثانية بدلا من الأولى . والتقدير : شهد اللّه أن الدين عند اللّه الإسلام . وقوله :
« أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
توطئة للثانية وتمهيد . ويكون هذا من البدل الذي الثاني فيه نفس الأول . فإن « الدين » الذي هو نفس « الإسلام عند اللّه » هو « شهادة أن لا إله إلا اللّه » والقيام بحقها . ولك أن تجعله على هذا الوجه من باب بدل الاشتمال . لأن الإسلام يشتمل على التوحيد . فإن قيل : فكان ينبغي على هذه القراءة أن يقول : إن الدين عند اللّه الإسلام . لأن المعنى : شهد اللّه أن الدين عنده الإسلام . فلم عدل إلى لفظ الظاهر ؟ . قيل : هذا يرجح قراءة الجمهور ، وأنها أفصح وأحسن . ولكن يجوز إقامة الظاهر مقام المضمر . وقد ورد في القرآن وكلام العرب كثيرا . فإن اللّه تعالى قال :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
[ البقرة : 196 ] وقال :
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ الأنفال : 69 ] وقال تعالى :
وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ
( 170 ) [ الأعراف : 170 ] قال ابن عباس : افتخر المشركون بآبائهم . فقال كل فريق : لا دين إلا دين آبائنا ، وما كانوا عليه ؛ فأكذبهم اللّه تعالى فقال :
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
[ آل عمران : 19 ] يعني الذي جاء به محمد . وهو