تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 938

مساهمون:

ص٩٣٨
الصحيحة ، والفطر السليمة به ؛ وسكونها إليه : من أعظم الآيات . إذ يستحيل في العادة : أن تطمئن القلوب وتسكن إلى الكذب والافتراء والباطل . فإن قيل : فلم لم يذكر اللّه سبحانه شهادة رسله مع الملائكة ، فيقول : شهد اللّه أنه لا إله إلا هو والملائكة والرسل ، وهم أعظم شهادة من أولي العلم ؟ . قيل : في ذلك عدة فوائد : إحداها : أن أولي العلم أعم من الرسل والأنبياء فيدخلون هم وأتباعهم . وثانيها : أن في ذكر « أولي العلم » في هذه الشهادة ، وتعليقها بهم : ما يدل على أنها من موجبات العلم ومقتضياته . وأن من كان من أولي العلم : فإنه يشهد بهذه الشهادة . كما يقال : إذا طلع الهلال واتضح فإن كل من كان من أهل النظر يراه . وإذا فاحت رائحة ظاهرة فكلّ من كان من أهل الشم يشم هذه الرائحة قال تعالى :
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى
( 36 ) [ النّازعات : 36 ] أي كل من له رؤية يراها حينئذ عيانا . ففي هذا بيان أن من لم يشهد له اللّه سبحانه بهذه الشهادة : فهو من أعظم الجهال . وإن علم من أمور الدنيا ما لم يعلمه غيره . فهو من أولي الجهل ، لا من أولي العلم . وقد بينا أنه لم يقم بهذه الشهادة ، ويؤديها على وجهها : إلا أتباع الرسل أهل الإثبات . فهم أولو العلم . وسائر من عداهم : أولو الجهل . وإن وسّعوا القول وأكثروا الجدال . ومنها : الشهادة من اللّه سبحانه لأهل هذه الشهادة : أنهم
« أُولُوا الْعِلْمِ »
. فشهادته لهم أعدل وأصدق من شهادة الجهمية والمعطلة والفرعونية لهم بأنهم جهال . وأنهم حشوية ، وأنهم مشبهة ، وأنهم مجسمة ونوابت ونواصب . فكفاهم أصدق الصادقين لهم بأنهم من « أولي العلم » إذ شهدوا له بحقيقة ما شهد به لنفسه ، من غير تحريف ولا تعطيل . وأثبتوا له حقيقة هذه الشهادة ومضمونها . وخصومهم نفوا عنه حقائقها . وأثبتوا له ألفاظها ومجازاتها . وفي ضمن هذه الشهادة الإلهية : الثناء على أهل العلم الشاهدين بها وتعديلهم . فإنه سبحانه قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته . واستشهد بهم - جل وعلا - على أجلّ مشهود به . وجعلهم حجة على من أنكر هذه الشهادة . كما يحتج بالبينة على من أنكر الحق . فالحجة قامت بالرسل على الخلق . وهؤلاء نواب الرسل وخلفاؤهم في إقامة حجج اللّه على العباد . وقد فسرت « شهادة أولي العلم » بالإقرار . وفسرت بالتّبيين والإظهار ، والصحيح : أنها تتضمن الأمرين . فشهادتهم إقرار ، وإظهار ، وإعلام . وهم شهداء اللّه على الناس يوم القيامة . قال اللّه تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
[ البقرة : 143 ] وقال تعالى :
هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا
« 1 »
لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
[ الحجّ : 78 ] فأخبر : أنه جعلهم عدولا خيارا . ونوه بذكرهم قبل أن يوجدهم ، لما سبق في علمه من اتخاذه لهم شهداء يشهدون على الأمم يوم القيامة . فمن لم يقم بهذه الشهادة - علما وعملا ، ومعرفة وإقرارا ، ودعوة وتعليما ، وإرشادا - فليس من شهداء اللّه . واللّه المستعان .
هامش
( 1 ) أي : سماكم المسلمين فيما أنزل على الرسل من قبل وفي هذا القرآن الذي أنزله على رسولكم .