تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 937

مساهمون:

ص٩٣٧
وقوله :
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ
[ النّساء : 166 ] فما فيه من الخبر عن علم اللّه الذي لا يعلمه غيره : من أعظم الشهادة بأنه هو الذي أنزله . كما قال في الآية الأخرى :
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 13 ) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
( 14 ) [ هود : 13 ، 14 ] وليس المراد مجرد الإخبار بأنه أنزله - وهو معلوم له ، كما يعلم سائر الأشياء . فإن كل شيء معلوم له من حق وباطل - وإنما المعنى : أنزله مشتملا على علمه . فنزوله مشتملا على علمه : هو آية كونه من عنده ، وأنه حق وصدق . ونظير هذا قوله :
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الفرقان : 6 ] ذكر ذلك سبحانه تكذيبا وردا على من قال :
افْتَراهُ
[ الفرقان : 4 ] . ومن شهادته أيضا : ما أودعه في قلوب عباده : من التصديق الجازم ، واليقين الثابت ، والطمأنينة بكلامه ووحيه . فإن العادة تحيل حصول ذلك بما هو من أعظم الكذب ، والافتراء على رب العالمين ، والإخبار عنه بخلاف ما هو عليه من أسمائه وصفاته . بل ذلك يوقع أعظم الريب والشك . وتدفعه الفطر والعقول السليمة ، كما تدفع الفطر - التي فطر عليها الحيوان - الأغذية الخبيثة الضارة التي لا تغذي . كالأبوال والأنتان . فإن اللّه سبحانه فطر القلوب على قبول الحق والانقياد له ، والطمأنينة به ، والسكون إليه ومحبته . وفطرها على بغض الكذب والباطل ، والنفور عنه ، والريبة به ، وعدم السكون إليه . ولو بقيت الفطر على حالها لما آثرت على الحق سواه . ولما سكنت إلا إليه ، ولا اطمأنت إلا به ، ولا أحبت غيره . ولهذا ندب اللّه عز وجل عباده إلى تدبر القرآن . فإن كل من تدبره أوجب له تدبره علما ضروريا ويقينا جازما : أنه حق وصدق . بل أحق كل حق ، وأصدق كل صدق . وأن الذي جاء به أصدق خلق اللّه ، وأبرّهم ، وأكملهم علما وعملا ، ومعرفة . كما قال تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
( 82 ) [ النّساء : 82 ] وقال تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
( 24 ) [ محمّد : 24 ] فلو رفعت الأقفال عن القلوب لباشرتها حقائق القرآن ، واستنارت فيها مصابيح الإيمان . وعلمت علما ضروريا يكون عندها كسائر الأمور الوجدانية - من الفرح ، والألم ، والحب ، والخوف - أنه من عند اللّه . تكلم به حقا ، وبلّغه رسوله جبريل عنه إلى رسوله محمد . فهذا الشاهد في القلب من أعظم الشواهد . وبه احتج هرقل على أبي سفيان حيث قال له « فهل يرتدّ أحد منهم سخطة لدينه ، بعد أن يدخل فيه ؟ فقال : لا . فقال له : وكذلك الإيمان إذا خالطت حلاوته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد » وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله :
بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
[ العنكبوت : 49 ] وقوله :
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ
[ الحجّ : 54 ] وقوله :
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ
[ سبإ : 6 ] وقوله :
أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى
[ الرّعد : 19 ] وقوله :
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ
( 27 ) [ الرّعد : 27 ] يعني : أن الآية التي يقترحونها لا توجب هداية . بل اللّه هو الذي يهدي ويضل . ثم نبههم على أعظم آية وأجلها ، وهي : طمأنينة قلوب المؤمنين بذكره الذي أنزله . فقال :
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ
[ الرّعد : 28 ] أي بكتابه وكلامه
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
[ الرّعد : 28 ] فطمأنينة القلوب