تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 936

مساهمون:

ص٩٣٦
فالقرآن العظيم قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره . فإنه هو الدعوة والحجة . وهو الدليل والمدلول عليه . وهو الشاهد والمشهود له . وهو الحكم والدليل . وهو الدعوى والبينة . قال اللّه تعالى :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ
[ هود : 17 ] أي من ربه . وهو القرآن . وقال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله :
أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 51 ) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
( 52 ) [ العنكبوت : 51 ، 52 ] فأخبر سبحانه أن الكتاب الذي أنزله على رسوله يكفي عن كل آية . ففيه الحجة والدلالة على أنه من اللّه ، وأن اللّه سبحانه أرسل به رسوله . وفيه بيان ما يوجب لمن اتبعه السعادة ، وينجيه من العذاب . ثم قال :
قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ العنكبوت : 52 ] فإذا كان اللّه سبحانه عالما بجميع الأشياء : كانت شهادته أصدق شهادة وأعدلها . فإنها شهادة بعلم تام ، محيط بالمشهود به . فيكون الشاهد به أعدل الشهداء وأصدقهم . وهو سبحانه يذكر علمه عند شهادته ، وقدرته وملكه عند مجازاته ، وحكمته عند خلقه وأمره ، ورحمته عند ذكر إرسال رسوله . وحلمه عند ذكر ذنوب عباده ومعاصيهم . وسمعه عند ذكر دعائهم . ومسألته وعزته وعلمه عند قضائه وقدره . فتأمل ورود أسمائه الحسنى في كتابه ، وارتباطها بالخلق والأمر ، والثواب والعقاب . ومن هذا قوله تعالى :
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ
( 43 ) [ الرّعد : 43 ] فاستشهد على رسالته بشهادة اللّه له . ولا بد أن تعلم هذه الشهادة . وتقوم بها الحجة على المكذبين له ، وكذلك قوله :
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
[ الأنعام : 19 ] وكذلك قوله :
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
( 166 ) [ النّساء : 166 ] وكذلك قوله :
يس ( 1 ) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ( 2 ) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
[ يس : 1 ، 3 ] وقوله :
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
( 252 ) [ البقرة : 252 ] وقوله :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ
[ المنافقون : 1 ] وقوله :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
[ الفتح : 29 ] فهذا كله شهادة منه لرسوله ، قد أظهرها وبينها . وبيّن صحتها غاية البيان . بحيث قطع العذر بينه وبين عباده . وأقام الحجة عليهم . فكونه سبحانه شاهدا لرسوله : معلوم بسائر أنواع الأدلة : عقليها ونقليها وفطريها وضروريها ونظريها . ومن نظر في ذلك وتأمله : علم أن اللّه سبحانه شهد لرسوله أصدق الشهادة . وأعدلها وأظهرها . وصدقه بسائر أنواع التصديق : بقوله الذي أقام البراهين على صدقه فيه ، وبفعله وإقراره ، وبما فطر عليه عباده : من الإقرار بكماله ، وتنزيهه عن القبائح ، وعما لا يليق به . وفي كل وقت يحدث من الآيات الدالة على صدق رسوله ما يقيم به الحجة ، ويزيل به العذر ، ويحكم له ولأتباعه بما وعدهم به من العز والنجاة والظفر والتأييد . ويحكم على أدائه ومكذبيه بما توعدهم به : من الخزي والنكال والعقوبات المعجلة ، الدالة على تحقيق العقوبات المؤجلة
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
( 28 ) [ الفتح : 28 ] فيظهره ظهورين : ظهورا بالحجة ، والبيان ، والدلالة . وظهورا بالنصر والظفر والغلبة ، والتأييد ، حتى يظهره على مخالفيه ، ويكون منصورا .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 936 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى