وجوه تفاصيله ، ولا ذرة من ذراته ، باطنا وظاهرا . ومن هذا شأنه : كيف يليق بالعباد أن يشركوا به . وأن يعبدوا معه غيره ؟ وأن يجعلوا معه إلها آخر ؟ وكيف يليق بكماله أن يقرّ من يكذب عليه أعظم الكذب ، ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه . ثم ينصره على ذلك ويؤيده ، ويعلي كلمته ويرفع شأنه ويجيب دعوته ، ويهلك عدوه ، ويظهر على يديه من الآيات والبراهين والأدلة ما تعجز عن مثله قوى البشر . وهو - مع ذلك - كاذب عليه مفتر ، ساع في الأرض بالفساد ؟ ؟ .
ومعلوم أن شهادته سبحانه على كل شيء ، وقدرته على كل شيء ، وحكمته وعزته وكماله المقدس يأبى ذلك كل الإباء . ومن ظن ذلك به ، وجوّزه عليه : فهو من أبعد الخلق من معرفته ، وإن عرف منه بعض صفاته ، كصفة القدرة ، وصفة المشيئة .
والقرآن مملوء من هذه الطريق . وهي طريق الخاصة ، بل خاصة الخاصة هم الذين يستدلون باللّه على أفعاله . وما يليق به أن يفعله وما لا يفعله .
وإذا تدبرت القرآن رأيته ينادي على ذلك . فيبديه ويعبّده لمن له فهم وقلب واع عن اللّه .
قال اللّه تعالى :
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ( 45 ) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ( 46 ) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ
[ الحاقّة : 44 - 47 ] أفلا تراه كيف أخبر سبحانه : أن كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يقرّ من تقوّل عليه بعض الأقاويل ؟ بل لا بد أن يجعله عبرة لعباده ، كما جرت بذلك سنته في المتقولين عليه . وقال تعالى :
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ
[ الشّورى : 24 ] ها هنا انتهى جواب الشرط . ثم أخبر خبرا جازما غير معلق : أنه
وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ
[ الشّورى : 24 ] وقال تعالى :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 91 ] فأخبر أن من نفى عنه الإرسال والكلام لم يقدره حق قدره . ولا عرفه كما ينبغي ، ولا عظمه كما يستحق . فكيف من ظن أنه ينصر الكاذب المفتري عليه ويؤيده ؟ ويظهر على يديه الآيات والأدلة ؟
وهذا في القرآن كثير جدا . يستدل بكماله المقدس ، وأوصافه وجلاله على صدق رسله ، وعلى وعده ووعيده . ويدعو عباده إلى ذلك . كما يستدل بأسمائه وصفاته على وحدانيته ، وعلى بطلان الشرك . كما في قوله :
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ( 22 ) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ
( 23 ) [ الحشر : 22 ، 23 ] وأضعاف أضعاف ذلك في القرآن .
ويستدل سبحانه بأسمائه وصفاته على بطلان ما نسب إليه من الأحكام والشرائع الباطلة ، وأن كماله المقدس يمنع من شرعها ، كقوله :
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
( 28 ) [ الأعراف : 28 ] وقوله عقيب ما نهى عنه وحرمه من الشرك والظلم والفواحش والقول عليه بلا علم
كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً
( 38 ) [ الإسراء : 38 ] فأعلمك أن ما كان سيئة في نفسه فهو يكرهه . وكماله يأبى أن يجعله شرعا له ودينا . فهو سبحانه يدل عباده بأسمائه وصفاته على ما يفعله ويأمر به ، وما يحبه ويبغضه ، ويثيب عليه ويعاقب عليه . ولكن هذه الطريق لا يصل إليها إلا خاصة الخاصة . فلذلك كانت طريقة الجمهور الدلالات بالآيات المشاهدة . فإنها أوسع وأسهل تناولا . واللّه سبحانه يفضل بعض خلقه على بعض . ويرفع درجات من يشاء . وهو العليم الحكيم .