تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 934

مساهمون:

ص٩٣٤
وتحت هذا الخطاب : أن من صراطه المستقيم : أن ينتقم ممن خرج عنه وعمل بخلافه . وينزل به بأسه . فإن الصراط المستقيم : هو العدل الذي عليه الرب تعالى . ومنه انتقامه من أهل الشرك والإجرام . ونصره أولياءه ورسله على أعدائهم . وأنه يذهب بهم ، ويستخلف قوما غيرهم . ولا يضره ذلك شيئا . وأنه القائم سبحانه على كل شيء حفظا ورعاية وتدبيرا وإحصاء . فأي آية وبرهان ودليل أحسن من آيات الأنبياء وبراهينهم وأدلتهم ؟ وهي شهادة من اللّه سبحانه لهم . بيّنها لعباده غاية البيان . وأظهرها لهم غاية الإظهار بقوله وفعله . وفي الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إلي . فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » . ومن أسمائه تعالى « المؤمن » وهو - في أحد التفسيرين - المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم . فهو الذي صدّق رسله وأنبياءه فيما بلغوا عنه . وشهد لهم بأنهم صادقون بالدلائل التي دل بها على صدقهم قضاء وخلقا . فإنه سبحانه أخبر - وخبره الصدق وقوله الحق - أنه لا بد أن يرى العباد من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين لهم : أن الوحي الذي بلغته رسله حق . فقال تعالى :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
[ فصّلت : 53 ] أي القرآن . فإنه هو المتقدم في قوله :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ
[ فصّلت : 52 ] ثم قال :
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
[ فصّلت : 53 ] فشهد سبحانه لرسوله بقوله : أن ما جاء به حق . ووعده أن يري العباد من آياته الفعلية الخلقية : ما يشهد بذلك أيضا . ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك وأجل ، وهو شهادته سبحانه على كل شيء . فإن من أسمائه « الشهيد » الذي لا يغيب عنه شيء . ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، بل هو مطلع على كل شيء مشاهد له ، عليم بتفاصيله . وهذا الاستدلال بأسمائه وصفاته . والأول استدلال بقوله وكلماته . والاستدلال بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته . فإن قلت : قد فهمت الاستدلال بكلماته والاستدلال بمخلوقاته . فبين لي كيفية الاستدلال بأسمائه وصفاته . فإن ذلك أمر لا عهد لنا به في تخاطبنا وكتبنا . قلت : أجل ! هو لعمر اللّه كما ذكرت . وشأنه أجل وأعلى . فإن الرب تعالى هو المدلول عليه ، وآياته هي الدليل والبرهان . فاعلم أن اللّه سبحانه في الحقيقة هو الدال على نفسه بآياته . فهو الدليل لعباده في الحقيقة بما نصبه لهم من الدلالات والآيات . وقد أودع في الفطر التي لم تتنجس بالتعطيل والجحود : أنه سبحانه الكامل في أسمائه وصفاته ، وأنه الموصوف بكل كمال ، المنزه عن كل عيب ونقص . فالكمال كله ، والجمال والجلال والبهاء ، والعزة والعظمة والكبرياء : كله من لوازم ذاته . يستحيل أن يكون على غير ذلك . فالحياة كلها له . والعلم كله له ، والقدرة كلها له . والسمع والبصر والإرادة والمشيئة والرحمة والغنى ، والجود والإحسان والبر ، كله خاص له قائم به . وما خفي على الخلق من كماله أعظم وأعظم مما عرفوه منه . بل لا نسبة لما عرفوه من ذلك إلى ما لم يعرفوه . ومن كماله المقدس : اطلاعه على كل شيء وشهادته عليه ، بحيث لا يغيب عنه وجه من