فشهادة الرب تعالى : تكذب هؤلاء أشد التكذيب . وتتضمن أن الذي شهد به قد بينه وأوضحه وأظهره ، حتى جعله في أعلى مراتب الظهور والبيان . وأنه لو كان الحق فيما يقوله المعطلة والجهمية لم يكن العباد قد انتفعوا بما شهد به سبحانه . فإن الحق في نفس الأمر - عندهم - لم يشهد به لنفسه . والذي شهد به لنفسه ، وأظهره وأوضحه : فليس بحق . ولا يجوز أن يستفاد منه الحق واليقين .
وأما آياته العيانية الخلقية ، والنظر فيها والاستدلال بها : فإنها تدل على ما تدل عليه آياته القولية السمعية . وآيات الرب هي دلائله وبراهينه التي بها يعرفه العباد ، وبها يعرفون أسماءه وصفاته وتوحيده ، وأمره ونهيه . فالرسل تخبر عنه بكلامه الذي تكلم به . وهو آياته القولية .
ويستدلون على ذلك بمفعولاته التي تشهد على صحة ذلك . وهي آياته العيانية . والعقل يجمع بين هذه وهذه . فيجزم بصحة ما جاءت به الرسل . فتتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة . وهو سبحانه - لكمال عدله ورحمته ، وإحسانه وحكمته ، ومحبته للعذر ، وإقامته للحجة - لم يبعث نبيا من الأنبياء إلا ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به . قال تعالى :
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
[ الحديد : 25 ] وقال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 ) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ
[ النّحل : 43 ، 44 ] وقال تعالى :
قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 183 ) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ
( 184 ) [ آل عمران :
183 ، 184 ] وقال تعالى :
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
[ فاطر : 4 ] وقال تعالى :
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ
( 25 ) [ فاطر : 25 ] .
حتى إن من أخفى آيات الرسل آيات هود عليه السلام . حتى قال له قومه :
يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ
[ هود : 53 ] ومع هذا فبينته من أظهر البينات . وقد أشار إليها بقوله :
إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 54 ) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ( 55 ) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ هود : 54 ، 56 ] فهذا من أعظم الآيات : أن رجلا واحدا يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب ، غير جزع ولا فزع ، ولا خوار ، بل واثق مما قاله جازم به ، قد أشهد اللّه أولا على براءته من دينهم ، ومما هم عليه إشهاد واثق به ، معتمد عليه ، معلم لقومه : أنه وليه وناصره ، وأنه غير مسلطهم عليه .
ثم أشهدهم - إشهاد مجاهر لهم بالمخالفة - : أنه بريء من دينهم وآلهتهم ، التي يوالون عليها ويعادون . ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتها .
ثم أكد عليهم ذلك بالاستهانة بهم ، واحتقارهم وازدرائهم ، وأنهم لو يجتمعون كلهم على كيده ، وشفاء غيظهم منه ، ثم يعاجلونه ولا يمهلونه . وفي ضمن ذلك أنهم أضعف وأعجز وأقل من ذلك ، وأنكم لو رمتموه لانقلبتم بغيظكم مكبوتين مخذولين .
ثم قرر دعوته أحسن تقرير . وبين أن ربه تعالى وربهم ، الذي نواصيهم بيده : هو وليه ووكيله ، القائم بنصره وتأييده ، وأنه على صراط مستقيم . فلا يخذل من توكل عليه وآمن به . ولا يشمت به أعداؤه . ولا يكون معهم عليه . فإن صراطه المستقيم الذي هو عليه - في قوله وفعله - يمنع ذلك ويأباه .