تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 932

مساهمون:

ص٩٣٢
والجبرية : تنكر حكمته ، وأن يكون له في أفعاله وأوامره غاية يفعل ويأمر لأجلها . فهم منكرون في الحقيقة لحكمته وحمده . وأتباع ابن سينا ، والنصير الطوسي وفروخهما : ينكرون أن يكون ماهية غير الوجود المطلق ، وأن يكون له وصف ثبوتي زائد على ماهية الوجود . فهم في الحقيقة منكرون لذاته وصفاته وأفعاله ، لا يتحاشون من ذلك . والاتحادية : أدهى وأمر . فإنهم رفعوا القواعد من الأصل ، وقالوا : ما ثم وجود خالق ووجود مخلوق . بل الخلق المشبه هو عين الحق المنزه كل ذلك من عين واحدة . بل هو العين الواحدة . فهذه الشهادة العظيمة : كل هؤلاء هم بها غير قائمين . وهي متضمنة لإبطال ما هم عليه ورده . كما تضمنت إبطال ما عليه المشركون ورده . وهي مبطلة لقول طائفتي الشرك والتعطيل . ولا يقوم بهذه الشهادة إلا أهل الإثبات الذين يثبتون للّه ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات . وينفون عنه مماثلة المخلوقات . ويعبدونه وحده لا يشركون به شيئا . وإذا كانت شهادته سبحانه تتضمن بيانه للعباد ، ودلالتهم وتعريفهم بما شهد به ، وإلا فلو شهد شهادة لم يتمكنوا من العلم بها : لم ينتفعوا . ولم يقم عليهم بها الحجة . كما أن الشاهد من العباد إذا كانت عنده شهادة ولم يبينها ، بل كتمها لم ينتفع بها أحد ، ولم تقم بها حجة . وإذا كان لا ينتفع بها إلا ببيانها . فهو سبحانه قد بينها غاية البيان بطرق ثلاثة : السمع ، والبصر ، والعقل . أما السمع : فبسمع آياته المتلوة القولية المتضمنة لإثبات صفات كماله ونعوت جلاله ، وعلوه على عرشه فوق سبع سماواته ، وتكلمه بكتبه ، وتكليمه لمن شاء من عباده تكلما وتكليما . حقيقة لا مجازا . وفي هذا إبطال لقول من قال : إنه لم يرد من عباده ما دلت عليه آياته السمعية من إثبات معانيها وحقائقها التي وضعت لها ألفاظها . فإن هذا ضد البيان والإعلام . ويعود على مقصود الشهادة بالإبطال والكتمان . وقد ذم اللّه من كتم شهادة عنده من اللّه . وأخبر أنه من أظلم الظالمين . فإذا كانت عند العبد شهادة من اللّه تحقق ما جاء به رسوله من أعلام نبوته ، وتوحيد الرسل ، وأن إبراهيم وأهل بيته كانوا على الإسلام كلهم وكتم هذه الشهادة : كان من أظلم الظالمين - كما فعله أعداء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من اليهود . الذين كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم - فكيف يظن باللّه سبحانه أنه كتم شهادة الحق التي يشهد بها الجهمية والمعتزلة والمعطلة . ولا يشهد بها لنفسه . ثم يشهد لنفسه بما يضادها ويناقضها ، ولا يجامعها بوجه ما ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم ! فإن اللّه سبحانه شهد لنفسه بأنه استوى على العرش ، وبأنه القاهر فوق عباده ، وبأن ملائكته يخافونه من فوقهم ، وأن الملائكة تعرج إليه بالأمر . وتنزل من عنده به . وأن العمل الصالح يصعد إليه ، وأنه يأتي ويجيء ، ويتكلم ، ويرضى ويغضب ، ويحب ويكره ، ويتأذّى ، ويفرح ويضحك ، وأنه يسمع ويبصر ، وأنه يراه المؤمنون بأبصارهم يوم لقائه . إلى غير ذلك مما شهد به لنفسه ، وشهد له به رسله . وشهدت له الجهمية بضد ذلك ، وقالوا : شهادتنا أصح ، وأعدل من شهادة النصوص . فإن النصوص تضمنت كتمان الحق وإظهار خلافه .