ولا يقوم بهذه الشهادة على وجهها من جميع الطوائف إلا أهل السنة . وسائر طوائف أهل البدع لا يقومون بها . فالفلاسفة أشد الناس إنكارا وجحودا لمضمونها ، من أولها إلى آخرها .
وطوائف الاتحادية : هم أبعد خلق اللّه عنها من كل وجه . وطائفة الجهمية تنكر حقيقتها من وجوه :
منها : أن « الإله » هو الذي تألهه القلوب ، محبة له ، واشتياقا إليه ، وإنابة . وعندهم : أن اللّه لا يحب ولا يحبّ .
ومنها : أن « الشهادة » كلامه وخبره عما شهد به . وهو عندهم لا يقول ولا يتكلم . ولا يشهد ولا يخبر .
ومنها : أنها تتضمن مباينته لخلقه بذاته وصفاته . وعند فرعونيهم : أنه لا يباين الخلق ولا يحايثهم . وليس فوق العرش إله يعبد ، ولا رب يصلى له ويسجد . وعند حلوليّتهم : أنه حالّ في كل مكان بذاته ، حتى في الأمكنة التي يستحيى من ذكرها . فهؤلاء مثبتة الجهمية . وأولئك نفاتهم .
ومنها : أن قيامه بالقسط في أفعاله وأقواله ، وعندهم : أنه لم يقم ولا يقوم به فعل ولا قول البتة . وأن قوله مخلوق من بعض المخلوقات ، وفعله هو المفعول المنفصل . وأما أن يكون له فعل يكون به فاعلا حقيقة : فلا .
ومنها : أن « القسط » عندهم لا حقيقة له . بل كل ممكن فهو قسط . وليس في مقدوره ما يكون ظلما وقسطا . بل الظلم عندهم هو المحال الممتنع لذاته . والقسط هو الممكن . فنزه اللّه سبحانه نفسه - على قولهم - عن المحال الممتنع لذاته الذي لا يدخل تحت القدرة .
ومنها : أن العزة هي القوة والقدرة . وعندهم لا يقوم به صفة ، ولا له صفة وقدرة تسمى قدرة وقوة .
ومنها : أن « الحكمة » هي الغاية التي يفعل لأجلها ، وتكون هي المطلوبة بالفعل . ويكون وجودها أولى من عدمها . وهذا عندهم ممتنع في حقه سبحانه . فلا يفعل لحكمة ولا غاية . بل لا غاية لفعله ولا أمره . وما ثم إلا محض المشيئة المجردة عن الحكمة والتعليل .
ومنها : أن « الإله » « 1 » هو الذي له الأسماء الحسنى ، والصفات العلى . وهو الذي يفعل بقدرته ومشيئته وحكمته . وهو الموصوف بالصفات والأفعال ، المسمى بالأسماء التي قامت بها حقائقها ومعانيها . وهذا لا يثبته على الحقيقة إلا أتباع الرسل . وهم أهل العدل والتوحيد .
فالجهمية والمعتزلة : تزعم أن ذاته لا تحب . ووجهه لا يرى ، ولا يلتذ بالنظر إليه . ولا تشتاق القلوب إليه . فهم في الحقيقة منكرون الإلهية « 2 » .
والقدرية : تنكر دخول أفعال الملائكة والجن والإنس وسائر الحيوان تحت قدرته ومشيئته وخلقه . فهم منكرون في الحقيقة لكمال عزته وملكه .
هامش
( 1 ) « الإله » هو المألوه بغاية الحب وغاية التعظيم . و « الرب » هو الذي له الأسماء الحسنى .
( 2 ) بل منكرون الربوبية .