مشهودا به . فيكون
« الْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ »
قد شهدوا بأنه قائم بالقسط . كما شهدوا بأنه لا إله إلا هو . والتقدير الأول لا يتضمن ذلك . فإنه إذا كان التقدير : شهد اللّه - قائما بالقسط - أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم يشهدون أنه لا إله إلا هو : كان القيام بالقسط حالا من اسم « اللّه » وحده .
وأيضا فكونه قائما بالقسط فيما شهد به أبلغ من كونه حالا من مجرد الشهادة .
فإن قيل : فإذا كان حالا من « هو » فهلا اقترن به ؟ ولم فصل بين صاحب الحال وبينها بالمعطوف ، فجاء متوسطا بين صاحب الحال وبينها ؟ .
قلت : فائدته ظاهرة . فإنه لو قال :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ
[ آل عمران : 18 ] لأوهم عطف الملائكة وأولي العلم على الضمير في قوله
« قائِماً بِالْقِسْطِ »
ولا يحسن العطف لأجل الفصل . وليس المعنى على ذلك قطعا . وإنما المعنى على خلافه . وهو أن قيامه بالقسط مختص به ، كما أنه مختص بالإلهية . فهو وحده الإله المعبود المستحق العبادة . وهو وحده المجازي المثيب المعاقب بالعدل .
قوله « لا إله إلا هو » ذكر محمد بن جعفر أنه قال : الأولى وصف وتوحيد ، والثانية : رسم وتعليم ، أي قولوا « لا إله إلا هو » ومعنى هذا : أن الأولى تضمنت أن اللّه سبحانه شهد بها وأخبر بها . والتالي للقرآن إنما يخبر عن شهادته هو . وليس في ذلك شهادة من التالي نفسه . فأعاد سبحانه ذكرها مجردة ليقولها التالي . فيكون شاهدا هو أيضا .
وأيضا فالأولى : خبر عن الشهادة بالتوحيد . والثانية : خبر عن نفس التوحيد . وختم بقوله
« الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
فتضمنت الآية توحيده وعدله ، وعزته وحكمته . فالتوحيد : يتضمن ثبوت صفات كماله ، ونعوت جلاله ، وعدم المماثل له فيها وعبادته وحده لا شريك له . و « العدل » يتضمن وضعه الأشياء موضعها ، وتنزيلها منازلها ، وأنه لم يخص شيئا منها إلا بمخصص اقتضى ذلك .
وأنه لا يعاقب من لا يستحق العقوبة ، ولا يمنع من يستحق العطاء ، وإن كان هو الذي جعله مستحقا . و « العزة » تتضمن كمال قدرته وقوته وقهره . و « الحكمة » تتضمن كمال علمه وخبرته ، وأنه أمر ونهي وخلق وقدر ، لما له في ذلك من الحكم والغايات الحميدة التي يستحق عليها كمال الحمد .
فاسمه « العزيز » يتضمن الملك . واسمه « الحكيم » يتضمن الحمد . وأول الآية يتضمن التوحيد . وذلك حقيقة « لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد . وهو على كل شيء قدير » وذلك أفضل ما قاله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والنبيون من قبله . و « الحكيم » الذي إذا أمر بأمر كان حسنا في نفسه وإذا نهى عن شيء كان قبيحا في نفسه . وإذا أخبر بخبر كان صدقا ، وإذا فعل فعلا كان صوابا . وإذا أراد شيئا كان أولى بالإرادة من غيره . وهذا الوصف على الكمال لا يكون إلا للّه وحده .
فتضمنت هذه الآية وهذه الشهادة : الدلالة على وحدانيته المنافية للشرك . وعدله المنافي للظلم . وعزته المنافية للعجز . وحكمته المنافية للجهل والعيب . ففيها الشهادة له بالتوحيد ، والعدل ، والقدرة والعلم والحكمة . ولهذا كانت أعظم شهادة .