يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( 76 ) [ النّحل : 76 ] فهذا مثل ضربه اللّه لنفسه وللصنم . فهو سبحانه الذي يأمر بالعدل . وهو على صراط مستقيم .
والصنم مثل العبد الذي هو كلّ على مولاه . أينما يوجهه لا يأت بخير « 1 » .
والمقصود : أن قوله تعالى
« قائِماً بِالْقِسْطِ »
هو كقوله :
إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ هود : 56 ] وقوله « قائما بالقسط » نصب على الحال . وفيه وجهان . أحدهما : أنه حال من الفاعل في « شهد اللّه » والعامل فيها الفعل . والمعنى على هذا : شهد اللّه حال قيامه بالقسط : أنه لا إله إلا هو .
والثاني : أنه حال من قوله « هو » والعامل فيها معنى النفي . أي لا إله إلا هو ، حال كونه قائما بالقسط . وبين التقديرين فرق ظاهر .
فإن التقدير الأول : يتضمن أن المعنى : شهد اللّه - متكلما بالعدل ، مخبرا به ، آمرا به ، فاعلا له ، مجازيا به - أنه لا إله إلا هو . فإن العدل يكون في القول والفعل . و « المقسط » هو العادل في قوله وفعله . فشهد اللّه قائما بالعدل - قولا وفعلا - أنه لا إله إلا هو . وفي ذلك تحقيق لكون هذه الشهادة شهادة عدل وقسط . وهي أعدل شهادة ، كما أن المشهود به أعدل شيء وأصحه وأحقه . وذكر ابن السائب وغيره في سبب نزول الآية ما يشهد بذلك . وهو « أن حبرين من أحبار الشام قدما على النبي صلى اللّه عليه وسلم . فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه : ما أشبه هذه المدينة بمدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان . فلما دخلا على النبي صلى اللّه عليه وسلم قالا له : أنت محمد ؟
قال : نعم . وأحمد ؟ قال : نعم . قالا : نسألك عن شهادة . فإن أخبرتنا بها آمنا بك . قال :
سلاني . قالا : أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب اللّه » فنزلت
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
[ آل عمران : 18 ] وإذا كان القيام بالقسط يكون في القول والفعل كان المعنى : أنه كان سبحانه يشهد وهو قائم بالعدل عالم به ، لا بالظلم . فإن هذه الشهادة تضمنت قولا وعملا . فإنها تضمنت : أنه هو الذي يستحق العبادة وحده دون غيره . وأن الذين عبدوه وحده : هم المفلحون السعداء . وأن الذين أشركوا به غيره هم الضالون الأشقياء . فإذا شهد قائما بالعدل - المتضمن جزاء المخلصين بالجنة ، وجزاء المشركين بالنار - : كان هذا من تمام موجب الشهادة وتحقيقها . وكان قوله
« قائِماً بِالْقِسْطِ »
تنبيها على جزاء الشاهد بها والجاحد لها . واللّه أعلم .
وأما التقدير الثاني - وهو أن يكون قوله
« قائِماً »
حالا مما بعد « إلا » - فالمعنى : أنه لا إله إلا هو قائما بالعدل . فهو وحده المستحق الإلهية ، مع كونه قائما بالقسط . قال شيخنا : وهذا التقدير أرجح . فإنه يتضمن : أن الملائكة وأولي العلم يشهدون له بأنه لا إله إلا هو ، وأنه قائم بالقسط .
قلت : مراده أنه إذا كان قوله
« قائِماً بِالْقِسْطِ »
حالا من المشهود به . فهو كالصفة له . فإن الحال صفة في المعنى لصاحبها . فإذا وقعت الشهادة على ذي الحال وصاحبها كان كلاهما
هامش
( 1 ) الأظهر - واللّه أعلم - أنه مثل للرسول صلى اللّه عليه وسلم وللشيوخ الطواغيت الصادين عن اللّه ورسوله . فالرسول يأمر بالعدل ، وهو متكلم بالخير ، وعلى صراط مستقيم ، في أخلاقه ودعوته . والطاغوت - من شياطين الإنس - أبكم بالتقليد الأعمى . لا يقدر على فهم ولا فقه . عالة في عيشه وحاجاته على متبعيه من المستضعفين لا يستفيد العامة منه ولا الأمة بشيء . بل أينما توجهه لا يأتيها إلا بالشر والخسران ، وغضب اللّه .