تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 928

مساهمون:

ص٩٢٨
وقوله تعالى
قائِماً بِالْقِسْطِ
[ آل عمران : 18 ] القسط : هو العدل . فشهد اللّه سبحانه : أنه قائم بالعدل في توحيده . وبالوحدانية في عدله . و « التوحيد » و « العدل » هما جماع صفات الكمال . فإن « التوحيد » يتضمن تفرده سبحانه بالكمال والجلال والمجد والتعظيم الذي لا ينبغي لأحد سواه . و « العدل » يتضمن وقوع أفعاله كلها على السداد والصواب وموافقة الحكمة . فهذا توحيد الرسل وعدلهم : إثبات الصفات ، والأمر بعبادة اللّه وحده لا شريك له . وإثبات القدر والحكم . والغايات المطلوبة المحمودة بفعله وأمره . لا توحيد الجهمية والمعتزلة والقدرية ، الذي هو إنكار الصفات وحقائق الأسماء الحسنى ، وعدلهم ، الذي هو : التكذيب بالقدر ، أو نفي الحكم والغايات والعواقب الحميدة التي يفعل اللّه لأجلها ويأمر . وقيامه سبحانه بالقسط في شهادته يتضمن أمورا : أحدها : أنه قائم بالقسط في هذه الشهادة التي هي أعدل شهادة على الإطلاق ، وإنكارها وجحودها أعظم الظلم على الإطلاق . فلا أعدل من التوحيد ولا أظلم من الشرك . فهو سبحانه قائم بالعدل في هذه الشهادة قولا وفعلا ، حيث شهد بها ، وأخبر وأعلم عباده . وبين لهم تحقيقها وصحتها . وألزمهم بمقتضاها . وحكم به . وجعل الثواب والعقاب عليها . وجعل الأمر والنهي من حقوقها وواجباتها . فالدين كله من حقوقها . والثواب كله عليها . والعقاب كله على تركها . وهذا هو العدل الذي قام به الرب تعالى في هذه الشهادة . فأوامره كلها تكميل لها ، وأمر بأداء حقوقها . ونواهيه كلها صيانة لها عما يهضمها ويضادها . وثوابه كله عليها . وعقابه كله على تركها ، وترك حقوقها . وخلقه السماوات والأرض وما بينهما كان بها ولأجلها . وهي الحق الذي خلقت به . وضدها هو الباطل والعبث الذي نزه نفسه عنه . وأخبر : أنه لم يخلق به السماوات والأرض ، قال تعالى - ردا على المشركين المنكرين لهذه الشهادة -
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ
( 27 ) [ ص : 27 ] وقال تعالى :
حم ( 1 ) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 2 ) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ
[ الأحقاف : 1 - 3 ] وقال :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ
[ يونس : 5 ] وقال :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ
( 8 ) [ الرّوم : 8 ] وقال :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ( 38 ) ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
[ الدّخان : 38 ، 39 ] وهذا كثير في القرآن . والحق الذي خلقت به السماوات والأرض ولأجله : هو التوحيد . وحقوقه من الأمر والنهي ، والثواب والعقاب . فالشرع والقدر ، والخلق والأمر ، والثواب والعقاب قائم بالعدل . والتوحيد صادر عنهما . وهذا هو الصراط المستقيم الذي عليه الرب سبحانه وتعالى . قال تعالى - حكاية عن نبيه هود -
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( 56 ) [ هود : 56 ] فهو سبحانه على صراط مستقيم في قوله وفعله . فهو يقول الحق . ويفعل العدل
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
( 115 ) [ الأنعام : 115 ]
وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
[ الأحزاب : 4 ] . فالصراط المستقيم - الذي عليه ربنا تبارك وتعالى - : هو مقتضى التوحيد والعدل . قال تعالى :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 928 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى