تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 927

مساهمون:

ص٩٢٧
امتلأ الحوض ، وقال : قطني * مهلا رويدا قد ملأت بطني
ويسمى هذا شهادة أيضا . كما في قوله تعالى :
ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ
[ التّوبة : 17 ] فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلون من أعمال الكفر وأقواله . فهي شهادة بكفرهم . وهم شاهدون على أنفسهم بما شهدت به . والمقصود : أن اللّه سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه . فإن دلالتها إنما هي بخلقه وجعله . ويشهد بآياته القولية الكلامية المطابقة لما شهدت به آياته الخلقية . فتتطابق شهادة القول وشهادة الفعل . كما قال تعالى :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
[ فصّلت : 53 ] أي أن القرآن حق . فأخبر أنه يدل بآياته الأفقية والنفسية على صدق آياته القولية الكلامية . وهذه الشهادة الفعلية قد ذكرها غير واحد من أئمة العربية والتفسير . قال ابن كيسان : شهد اللّه بتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه : أنه لا إله إلا هو . 4 - وأما المرتبة الرابعة - وهي الأمر بذلك والإلزام به ، وإن كان مجرد الشهادة لا يستلزمه ، لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه - فإنه سبحانه شهد به شهادة من حكم به ، وقضى وأمر ، وألزم عباده به . كما قال تعالى :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
[ الإسراء : 23 ] وقال تعالى :
وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ
[ النّحل : 51 ] وقال تعالى :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ البيّنة : 5 ] وقال تعالى :
لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
[ الإسراء : 22 ، و 39 ] وقال اللّه سبحانه وتعالى :
وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
[ القصص : 88 ] والقرآن كله شاهد بذلك . ووجه استلزام شهادته سبحانه لذلك : أنه إذا شهد أنه لا إله إلا هو ، فقد أخبر ، وبيّن وأعلم ، وحكم وقضى : أن ما سواه ليس بإله . وأن إلهية ما سواه أبطل الباطل ، وإثباتها أظلم الظلم . فلا يستحق العبادة سواه . كما لا تصلح الإلهية لغيره . وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلها ، والنهي عن اتخاذ غيره معه إلها . وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات . كما إذا رأيت رجلا يستفتي أو يستشهد ، أو يستطب من ليس أهلا لذلك ، ويدع من هو أهل له . فتقول : هذا ليس بمفت ولا شاهد ولا طبيب . المفتي فلان . والشاهد فلان . والطبيب فلان . فإن هذا أمر منك ونهي . وأيضا فإن الأدلة قد دلت على أنه سبحانه وحده المستحق للعبادة . فإذا أخبر أنه هو وحده المستحق للعبادة ، تضمن هذا الإخبار : أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحقه الرب تعالى عليهم . وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم . فإذا شهد سبحانه أنه « لا إله إلا هو » تضمنت شهادته الأمر والإلزام بتوحيده . وأيضا فلفظ « الحكم » و « القضاء » يستعمل في الجمل الخبرية . فيقال للجملة الخبرية « قضية » و « حكم » وقد حكم فيها بكيت وكيت ، قال تعالى :
أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ( 151 ) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 152 ) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ( 153 ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
( 154 ) [ الصّافات : 151 - 154 ] فجعل هذا الإخبار المجرد منه حكما . وقال في موضع آخر :
أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ( 35 ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
( 36 ) [ القلم : 35 ، 36 ] لكن هذا حكم لا إلزام معه ، والحكم والقضاء بأنه لا إله إلا هو : متضمن للإلزام . واللّه سبحانه أعلم .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 927 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى