تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 926

مساهمون:

ص٩٢٦
على نفسه . وفي الحديث الصحيح في قصة ماعز الأسلمي « فلما شهد على نفسه أربع مرات . رجمه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » وقال تعالى :
قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ
[ الأنعام : 130 ] . وهذا - وأضعافه - يدل على أن الشاهد عند الحاكم وغيره : لا يشترط في قبول شهادته أن يتلفظ بلفظ الشهادة . كما هو مذهب مالك ، وأهل المدينة . وظاهر كلام أحمد . ولا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين اشتراط ذلك . وقد قال ابن عباس : « شهد عندي رجال مرضيون - وأرضاهم عندي عمر - أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح . حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب الشمس » ومعلوم أنهم لم يتلفظوا بلفظ الشهادة . والعشرة الذين شهد لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالجنة ، لم يتلفظ في شهادته لهم بلفظ الشهادة . بل قال « أبو بكر في الجنة ، وعمر في الجنة ، وعثمان في الجنة ، وعلي في الجنة » الحديث . وأجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال « لا إله إلا اللّه . محمد رسول اللّه » فقد دخل في الإسلام . وشهد شهادة الحق . ولم يتوقف إسلامه على لفظ الشهادة وأنه قد دخل في قوله « حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه » وفي لفظ آخر « حتى يقولوا لا إله إلا اللّه » فدل على أن مجرد قولهم « لا إله إلا اللّه » شهادة منهم . وهذا أكثر من أن تذكر شواهده من الكتاب والسنة . فليس مع من اشترط لفظ الشهادة . دليل يعتمد عليه . واللّه أعلم .

مرتبة الإعلام والإخبار

3 - وأما مرتبة الإعلام والإخبار ، فنوعان : إعلام بالقول . وإعلام بالفعل . وهذا شأن كل معلم لغيره بأمر : تارة يعلمه بقوله . وتارة بفعله . ولهذا كان من جعل دارا مسجدا ، وفتح بابها لكل من دخل إليها ، وأذن بالصلاة فيها : معلما أنها وقف وإن لم يتلفظ به . وكذلك من وجد متقربا إلى غيره بأنواع المسار : معلما له ولغيره أنه يحبه ، وإن لم يتلفظ بقوله ، وكذلك بالعكس . وكذلك شهادة الرب جل جلاله وبيانه وإعلامه . يكون بقوله تارة ، وبفعله تارة أخرى . فالقول : هو ما أرسل به رسله . وأنزل به كتبه . ومما قد علم بالاضطرار : أن جميع الرسل أخبروا عن اللّه : أنه شهد لنفسه « بأنه لا إله إلا هو » وأخبر بذلك . وأمر عباده أن يشهدوا به . وشهادته سبحانه « أن لا إله إلا هو » معلومة من جهة كل من بلغ عنه كلامه . وأما بيانه وإعلامه بفعله : فهو ما تضمنه خبره تعالى عن الأدلة الدالة على وحدانيته التي تعلم دلالتها بالعقل والفطرة . وهذا أيضا يستعمل فيه لفظ الشهادة ، كما يستعمل فيه لفظ الدلالة ، والإرشاد والبيان . فإن الدليل يبين المدلول عليه ويظهره ، كما يبينه الشاهد والمخبر . بل قد يكون البيان بالفعل أظهر وأبلغ . وقد يسمى شاهد الحال نطقا وقولا وكلاما . لقيامه مقامه ، وأدائه مؤداه . كما قيل :
وقالت له العينان : سمعا وطاعة * وحدّرتا بالدر لما يثقب
وقال الآخر :
شكا إليّ جملي طول السّرى * صبرا جميلا فكلانا مبتلى
وقال الآخر :