فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه ، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم .
ف
الْحَمْدُ لِلَّهِ
[ الفاتحة : 2 ] توحيد
رَبِّ الْعالَمِينَ
توحيد
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ الفاتحة :
3 ] توحيد
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
( 4 ) [ الفاتحة : 4 ] توحيد
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
[ الفاتحة : 5 ] توحيد
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
[ الفاتحة : 5 ] توحيد
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد ، الذين أنعم اللّه عليهم
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
[ الفاتحة : 7 ] الذين فارقوا التوحيد . ولذلك شهد اللّه لنفسه بهذا التوحيد . وشهد له به ملائكته ، وأنبياؤه ورسله . قال :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 ) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
[ آل عمران : 18 ، 19 ] .
فتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد ، والرد على جميع هذه الطوائف ، والشهادة ببطلان أقوالهم ومذاهبهم . وهذا إنما يتبين بعد فهم الآية ببيان ما تضمنته من المعارف الإلهية ، والحقائق الإيمانية .
فتضمنت هذه الآية : أجل شهادة ، وأعظمها ، وأعدلها ، وأصدقها ، من أجلّ شاهد ، بأجلّ مشهود به . وعبارات السلف في « شهد » تدور على الحكم والقضاء ، والإعلام والبيان ، والإخبار . قال مجاهد : حكم ، وقضى . وقال الزجاج : بيّن . وقالت طائفة : أعلم وأخبر . وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها فإن « الشهادة » تتضمن كلام الشاهد وخبره ، وقوله . وتتضمن إعلامه ، وإخباره وبيانه . فلها أربع مراتب . فأول مراتبها : علم ، ومعرفة ، واعتقاد لصحة المشهود به ، وثبوته . وثانيها : تكلمه بذلك ، ونطقه به ، وإن لم يعلم به غيره . بل يتكلم به مع نفسه ويذكرها ، وينطق بها أو يكتبها . وثالثها : أن يعلم غيره بما شهد به ، ويخبره به ، ويبينه له .
ورابعها : أن يلزمه بمضمونها ويأمره به .
فشهادة اللّه سبحانه لنفسه بالوحدانية ، والقيام بالقسط : تضمنت هذه المراتب الأربع : علم اللّه سبحانه بذلك . وتكلمه به ، وإعلامه ، وإخباره لخلقه به ، وأمرهم وإلزامهم به .
1 - أما مرتبة العلم : فإن الشهادة بالحق تتضمنها ضرورة ، وإلا كان الشاهد شاهدا بما لا علم له به . قال اللّه تعالى :
إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
[ الزّخرف : 86 ] وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « على مثلها فاشهد » وأشار إلى الشمس .
2 - وأما مرتبة التكلم والخبر : فمن تكلم بشيء وأخبر به فقد شهد به ، وإن لم يتلفظ بالشهادة . قال تعالى :
قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ
[ الأنعام : 150 ] وقال تعالى :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ
( 19 ) [ الزّخرف : 19 ] . فجعل ذلك منهم شهادة ، وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ، ولم يؤدوها عند غيرهم . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « عدلت شهادة الزور الإشراك باللّه » وشهادة الزور هي قول الزور . كما قال تعالى : ذلك
وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ( 30 ) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ
[ الحجّ : 30 ، 31 ] وعند نزول هذه الآية قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « عدلت شهادة الزور الإشراك باللّه » فسمي قول الزور شهادة . وسمى اللّه تعالى إقرار العبد على نفسه شهادة . قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
[ النّساء : 135 ] فشهادة المرء على نفسه : هي إقراره